الموقوتة .. الصهاينة العرب !!

القُنبلة الموقوتة .. الصهاينة العرب !!

لم تعد المعركة في منطقتنا تُخاض بالسلاح وحده ؛ الأخطر أنها تُدار اليوم على مستوى الوعي .. هنا يبرز خطابٌ عربيٌّ جديد يتخفّى بلبوس «العقلانية» و«الواقعية» ، بينما يعمل فعليًا على تبييض وَجه المُعتَدي ، وتطبيع وجوده .. وتجفيف أي حسّ أخلاقي بضرورة مقاومتهِ .. هذا الإتجاه الذي بات يُشار إليه شعبيًا بمصطلح «الصهاينة العرب» لا يفرض نفسه بالقوة ولا بالضجيج !! بل بالتسلّل والتكرار ، وبإعادة تعريف ما يجب أن يُرفض بوصفه أمرًا لا مفرّ منه .

أولى أدواته صناعة الرواية : يُعاد توصيف الاحتلال على أنه «نزاع» !! ويُساوي أخلاقيًا بين الجلاد والضحية !! وتُقدَّم إسرائيل كطرف طبيعي في معادلة مختلّة أصلًا .. ليست هذه زلة لغوية بل عملية واعية لإزالة كلمة «احتلال» من المشهد ، لأن إزالة التسمية تعني محو الحق وتخفيف المسؤولية وتدجين الذاكرة .

الأداة الثانية هي تحريف مدلولات اللغة : العدوان يصبح دفاعًا عن النفس !! والمقاومة تُختزل إلى عنف !! والخضوع والخنوع سلامًا !! بهذه الهندسة اللغوية يُعاد تشكيل الموقف دون صدام .. ويُطلب من المتلقي أن يتقبّل التحوّل بوصفه نضجًا سياسيًا لا تنازلًا أخلاقيًا .

ثم تأتي شيطنة الضحية : يُحمَّل العربيّ مسؤولية مأساته .. وتُضخّم أخطاؤه الداخلية لتبرير واقع فُرض عليه بالقوة !! فجأة يُطلب من الناس «الحياد» بين حقٍّ واضح وقوة غاشمة !! وكأن الحياد هنا فضيلة لا تتجزأ عن الحدّ الأدنى من العدالة .

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد .. الخوف يُستثمر بلا مواربة .. يُلوّح بالفوضى ويُخوَّف من أي خطاب نَهضَويّ ، ويُقدَّم الاحتلال—بمفارقة فجة—كضامن للاستقرار .. في مناخ الخوف تُعاد صياغة الاستسلام بوصفه حكمة .. وتُسوَّق التنازلات باعتبارها دبلوماسية .

أما وسائل التواصل الاجتماعي فهي المسرح الأوسع لهذه المعركة : تشكيك ممنهج .. سخرية مهينة .. تشويه متعمّد وتضخيم أصوات بعينها لإرباك النقاش لا لحسمه . الهدف ليس إقناعك ، بل إنهاكك ؛ فالعقل المرهق لا يقاوم .. والعقل المشكّك بكل شيء يتوقف عن السؤال !! وفي النهاية يُقدَّم التطبيع كأمر واقع لا جدوى من مناقشته .. تُغلق الأسئلة بالإيحاء بأن البديل مستحيل ، وتُسفَّه أي مساءلة بوصفها عاطفية أو غير ناضجة .. هكذا يُخنق النقاش لا بالحجج بل بالاستعلاء .

هنا تحديدًا تتجلى الخطورة الحقيقية لهذا الخطاب !! فهو لا يشكّل تهديدًا أمنيًا مباشرًا ولا خطرًا انفجاريًا ، لكنه يعمل كعامل إضعاف داخلي تراكمي : يربك الوعي الوطني .. يوسّع الفجوة بين المجتمع ونخبه ، ويُليّن الموقف العام تجاه تنازلات كبرى .. في الأوقات العادية قد يبدو هذا الخطاب مجرد رأي ، لكن في لحظات الأزمات—الحروب ، الانهيارات ، التحولات الكبرى—يتحوّل إلى أداة ضغط تُمرَّر عبرها قرارات قاسية باسم الواقعية والمصلحة .

لهذا لا تكون المواجهة بالتخوين ولا بالصراخ ، بل بـوعي نقدي خشن : مُسآءلة المفردة قبل الفكرة ، تفكيك الرواية قبل تصديقها ، ورفض تحويل «الواقعية» إلى غطاء دائم لتبرير الظلم .. فالمعركة على الوعي لا تُخسر بضربة واحدة بل بالتراكم ، وحين تُخسَر يُهزم أصحابها دون أن تُطلق رصاصة واحدة .. هولاء هُمْ الصهاينة الجُدد .. هُمْ الصهاينة العَرب .. فاحذروهم !!.

المحامي فضيل العبادي

Read Previous

سحب الجنسية الكويتية من شخصيات رياضية وأدبية وعسكرية

Most Popular