بين الطقس والتهويل : كيف صنعنا الخوف من الشتاء ؟

بقلم : علاء عواد

في كل شتاء تقريبًا يتكرر المشهد ذاته عناوين حمراء تحذيرات متلاحقة ومنخفضات من الدرجة الرابعة أو الخامسة ثلوج رياح أمطار غزيرة وتحذير من الخطر الداهم ….
ومع كل توقع جوي يتصاعد القلق بين الناس وتبدأ التحضيرات المبالغ بها من شراء للمواد الغذائية بكميات كبيرة وتهافت على المخابز والغاز وكأننا مقبلون على عزلة طويلة لا خروج منها . حتى المدارس والجامعات تصبح أول المتأثرين تأجيل وتعليق الداوم حتى قبل أن تسقط أول قطرة مطر .
المفارقة أن كل ذلك يحدث ونحن ببساطة في فصل الشتاء ، الشتاء الذي من طبيعته أن يكون بارداً وماطرا وعاصفا أحيانا ومن الطبيعي أن تتساقط فيه الثلوج هذه ليست كوارث استثنائية بل سمات فصل نعرفه جيدًا وعشنا معه عقوداً طويلة .

السؤال الذي يفرض نفسه : لماذا لم يكن هذا الخوف موجوداً سابقًا ؟

حين كنا أطفالا لم تكن هناك مواقع تواصل اجتماعي ولا نشرات طقس متلاحقة كل ساعة ولا متنبئون يتسابقون على جذب الانتباه .
كنا نستيقظ صباحًا لنتفاجأ أن الثلج قد غطى الشوارع فنفرح ونضحك ونلبس معاطفنا ونخرج .
كانوا أهالينا يصرون علينا أن نذهب للمدارس حتى في العواصف وكان البرد جزءا من يومنا لا سببا لتعطيله .
لم يكن أحد يركض لتخزين الطعام ولا كان هناك خوف جماعي بهذا الشكل .

ما الذي تغير إذن ؟

الذي تغير ليس الطقس بل طريقة التعامل معه.
اليوم تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في تضخيم المشهد .
كل منخفض يتحول إلى حدث تاريخي وكل عاصفة إلى تحذير غير مسبوق بعض المتنبئين عن قصد أو دون قصد يعتمدون لغة التهويل لأن الخوف يجذب المتابعة والمتابعة تعني انتشارا أوسع
هذا التهويل يخلق حالة نفسية جماعية من القلق تدفع الناس إلى سلوكيات مبالغ فيها : تخزين وهلع وتعطيل حياة كاملة قبل أن يتأكد أحد مما سيحدث فعليا ومع الوقت أصبح المجتمع أقل قدرة على التكيف مع الظروف الطبيعية وأكثر ميلا إلى التوقف والانسحاب عند أول إنذار .
لكن وسط هذا التهويل يغيب سؤال أساسي : أين الجاهزية ؟
إذا كانت الأمطار تتحول سريعا إلى ازمة فالمشكلة ليست بالأمطار بل في البنية التحتية . شوارع تغرق بعد أول ساعة مطر سيارات تتعطل انفاق تتحول إلى برك مياه ومواطنون عالقون بلا حلول واضحة وكأننا نعيش كل شتاء المفاجأة ذاتها رغم أن المطر لم يكن يوما حدثا نادرا في هذا البلد .
الجاهزية الحقيقة لا تعني منشورا تحذيريا أو تعطيلا استباقيا بل عملا ميدانيا يسبق الشتاء : تنظيف مصارف المياه ، صيانة الطرق ، خطط مرور واضحة واستجابة سريعة عند الطوارئ .
أما تحميل المواطن مسؤولية الاستعداد وحده في ظل غياب الاستعداد المؤسسي فهو اختصار مريح للمشكلة دون حلها .
المطلوب هنا توازن ووعي وخطاب عقلاني يذكرنا بأننا نعيش فصل الشتاء لا حالة طوارئ دائمة

ربما ان الأوان أن نعيد النظر في علاقتنا مع الطقس وأن نتوقف عن تحويل كل منخفض جوي إلى أزمة وجودية وأن نطرح السؤال الصحيح : هل نحن نبالغ في الخوف أن نقصر بالاستعداد ؟
فالشتاء مهما اشتد يبقى فصلا لا نهاية العالم

Read Previous

الأمانة: نتعامل مع الواقع بكل الآليات وحجم الهطول فاق قدرة شبكات تصريف

Read Next

وزير الداخلية يتفقد غرفة عمليات العاصمة لمتابعة آثار المنخفض الجوي

Most Popular