
بقلم د. محمد أبو عصب، عضو مجلس نقابة صيادلة الأردن
شهد القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة، خاصة بعد جائحة كورونا، وما فرضته من تباعد اجتماعي والتوجه نحو التحول الرقمي في تقديم خدمات الرعاية الصحية والطبية وتوصيل أدوية المرضى المؤمنين في القطاع العام، ومما لا شك فيه، فإن هذه التحولات قدّمت حلولًا مهمة في ظروف استثنائية، وتسهم حالياً في تسهيل وصول المرضى إلى العلاج، لا سيما كبار السن وذوي الأمراض المزمنة وسكان المناطق البعيدة دون الحاجة لقطع مسافات طويلة والتزاحم والانتظار لاستلام أدويتهم من المستشفيات والمراكز الحكومية التي تعج بالمراجعين بشكل مستمر،
إلا أن هذا الواقع مغاير تماما لمنظومة القطاع الصحي الخاص، التي يبرز فيها الانتشار الواسع (بل والمفرط) لآلاف صيدليات المجتمع، وسهولة الوصول إليها في كافة محافظات وقرى المملكة، مما يلغي أي حاجة صحية ملحة من وجود الصيدليات ضمن نظام الرعاية الصحية والطبية عن بعد وتعليماته التي صدرت منذ قرابة الشهرين، وشملت تعليمات توصيل الأدوية دون صدور أي تعليمات تتعلق بالأطباء وباقي مقدمي خدمات الرعاية الصحية والطبية عن بعد،
كما جاءت هذه التعليمات بشكل لا ينسجم مع التشريعات الناظمة لمهنة الصيدلة، وبآليات غير قابلة للتطبيق عملياً، وينطوي عليها العديد من المخاطر على صحة المواطن ومفهوم الرعاية الصحية برمته، وبالأخص كون مشغلي خدمات الرعاية الصحية والطبية عن بعد بموجب التعليمات التي صدرت هي منصات متعددة تابعة لمشغلين من القطاع الخاص التكنولوجي، وليس منصة حكومية تتبع وزارة الصحة أو الجهات الرسمية ذات العلاقة، وسيكون للمريض الواحد عدة ملفات طبية وليس ملفاً مركزياً موحداً يتضمن تاريخه المرضي وكامل متابعاته،
وهو ما يضع العديد من علامات الاستفهام حول ماهية أهداف هذا النظام وتعليماته، ويظهر بشكل جلي أنها أهداف تجارية ومصلحية بحته ستمكن شركات ومؤسسات وجهات غير طبية وغير صيدلانية من بسط يدها على القطاع الطبي والسوق الدوائي، والتحكم بالوصفات الطبية وبعمل صيدليات المجتمع، بل والحلول مكانها والقيام بدورها، مما يقتضي بالضرورة إعادة النظر من الأساس في هذا النظام واستثناء الصيدليات منه، وإلغاء تعليمات توصيل الأدوية، فالتطوير في القطاع الصحي تحديداً، لا يُقاس بسرعة الانتشار بقدر ما يُقاس بمدى صونه لسلامة المريض وحفظه لجوهر الممارسة المهنية، وهو ما يبرر رفض صيدليات المجتمع في القطاع الخاص لنظام الرعاية الصحية والطبية عن بعد، وتوصيل الأدوية.
توصيل الأدوية… المخاطر الصامتة:
الدواء ليس منتجًا استهلاكيًا يمكن التعامل معه بمنطق التجارة الإلكترونية البحتة، وصرف الدواء عملية علاجية متكاملة تتضمن:
تقييم الحالة ومراجعة الوصفة الطبية.
تقييم الجرعة وملاءمتها للحالة.
التحقق من التداخلات الدوائية.
تقديم المشورة الصيدلانية الكاملة.
التأكد من فهم المريض لطريقة الاستخدام.
وعندما يُختزل هذا المسار في “طلب إلكتروني” يتبعه توصيل سريع، فإن الحلقة المهنية الأهم — المشورة
الصيدلانية – قد تلاشت، وتلاشى معها صمام أمان يحول دون أخطاء دوائية قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة، أو إدخالات للمستشفيات، أو تدهور في الحالة الصحية كان يمكن تفاديه بتوضيح بسيط أو تنبيه مهني.
غياب المشورة الصيدلانية … الخطر غير المرئي:
المشورة الصيدلانية ليست ترفًا مهنيًا، بل صمام أمان في المنظومة الصحية، فالصيدلي هو آخر نقطة تحقق قبل وصول الدواء إلى المريض،وأحيانًا هو أول من يكتشف:
تكرارًا علاجيًا غير مبرر.
جرعة غير مناسبة.
تداخلًا دوائيًا خطيرًا.
سوء فهم لدى المريض.
وعندما يصبح دوره “تجهيز الطلب” تتحول الصيدلة من ممارسة صحية إلى نشاط تجاري بحت، ويخسر المريض عنصر الحماية الأخير، وأي وصف دوائي يتم دون تكامل حقيقي بين التقييم الطبي والمراجعة الصيدلانية الشاملة يفتح الباب لمخاطر صامتة قد لا تظهر فورًا، لكنها تتراكم مع الوقت.
التعلم بالكوارث… هل ننتظر حدثًا مفصليًا؟
التاريخ الصحي يخبرنا أن كثيرًا من الأنظمة لم تُعد هيكلتها إلا بعد حوادث جسيمة أو ارتفاع مؤشرات الضرر، أو تقارير وفيات، أو قضايا رأي عام،
لكن في حالة توصيل الأدوية والرعاية الرقمية، فإن الكارثة قد لا تكون انفجارًا مفاجئًا، بل تراكمًا صامتًا للأخطاء الفردية التي تتحول مع الوقت إلى نمط كارثي من تدهور مأمونية الدواء ومخرجات الرعاية الصحية للمرضى.
فهل ننتظر إحصائيات عن مضاعفات دوائية مميته؟
أم تحقيقًا إعلاميًا عن سوء استخدام أدوية مصروفة عن بُعد؟
أم فقدان ثقة مجتمعية بالمنظومة الصحية؟
في قطاع يمس حياة الناس مباشرة، لا يجوز أن يكون التعلم بالكوارث خيارًا مقبولًا، فالثمن هنا ليس ماليًا فقط، بل إنسانيًا وأخلاقيًا، والإدارة الرشيدة للمخاطر تقوم على الاستباق لا الانتظار.
وفي هذا الإطار، فإن رفض الصيدليات لنظام الرعاية الصحية والطبية عن بعد، والمطالبة باستثنائهم منه، وإلغاء تعليمات توصيل الأدوية، هو مطلب محق ومشروع، وهذا لا يعني رفض التطوير، بل حمايته من الانحراف عن غايته الأساسية في خدمة المريض بأعلى درجات الأمان، وضمانًا ألا يتحول التطوير إلى بابٍ لمخاطر كان يمكن منعها، فصحة المواطن ليست مجالًا للتجربة حتى تتضح النتائج.
اليوم، لدينا فرصة ذهبية لإعادة النظر، وتصويب المسار، قبل أن تفرض علينا حادثة صحية قاسية مراجعة متأخرة، فثمن التعلم بالكوارث دائماً ما يكون باهظاً، والحكمة تقتضي أن نتعلم قبل أن نتألم.