
وظلمُ ذوي القربى ..!!
قَدْ يقسوا على الدول بعض خصومها ، لكن الأقسى أن يتكفّل بعض “محلليها” العرب بدور الخصم والقاضي والجلاد معًا .. فالهجوم على الأردن هذه الأيام لا يشبه نقد السياسات بقدر ما يشبه محاكمة هوية ، وتجريد دولة من تاريخها ، وإعادة تركيب الوقائع بما يخدم رواية كسولة تبحث عن بطلٍ وهمي وعدوٍّ سهل .
يخرجون علينا ليقولوا إن الهجوم على إيران سيكون بمشاركة من الأردن .. هكذا بلا وثيقة .. بلا شاهد .. بلا خجل .. يتعاملون مع الجغرافيا كملحقٍ تحليلي ، ومع السيادة كهوامش .. ثم يواصلون : الأردن كيان وظيفي .. عبارة مفجوجة ، مستهلكة ، تُلقى كما تُلقى التهمة .. لا تحتاج دليلاً لأنها – في عرفهم – حقيقة بديهية !! أي حقيقة تلك التي تتجاهل أن الأردن دفع أثمان استقلاله السياسي حصارًا وضغطًا وابتزازًا ؟ ، لأنه رفض أن يكون ساحةً أو ممرًا أو صندوق بريد .
يعيدون فتح ملف 1967 وكأنهم يكتشفون التاريخ اليوم .. يتهمون الأردن بضياع الضفة !! ويتناسون أن الحرب كانت قرارًا عربيًا، وأنّ من كان يحذّر من عدم الجاهزية هُوَ الأردن نفسه .. يختزلون الهزيمة في دولة واحدة ، لأن الاعتراف بالفشل الجماعي مؤلم ، ولأن البحث عن كبش فداء أسهل من مواجهة الحقيقة .
يشدّون رِحالهم إلى الملك حسين رحمه الله، بتهمة تسريب موعد حرب 1973 .. تهمة عاشت أطول من دليلها، وماتت كل التحقيقات التي نفتها .. لكن لا بأس .. فبعض الأكاذيب لا تموت لأنها مفيدة !! لقب “مستر بيف” يُعاد تدويره ، كأن المساعدات كانت عارًا لا أداة بقاء لدولة محاطة بالحرائق ، وكأن من تلقى الدعم كان لمصلحته الخاصة ، لا واحدًا من كثيرين رفضوا الصمت حين حان وقت الكلام .
قالوا إن الأردن دمّر العراق !! وتجاهلوا أنه رفض الحرب ودفع ثمن الرفض عزلة وحصارًا في زمن كان الاصطفاف فيه إلزاميًا .. واليوم في غزة يُحاسَب الأردن على النوايا لا الأفعال ، ويُسخر مِنْ مساعداته !! ويُطالب بما هو مستحيل لا بما هو عادل .. لا يكفي أن تفعل ، عليك أن تفعل بالطريقة التي ترضي مزاودي الشاشات .
وعندما يمنع الأردن الطائرات الإسرائيلية من عبور أجوائه .. يصمتون !! وعندما يمنع الصواريخ الإيرانية .. يصرخون !! نصف الحقيقة يُرفع إلى منصة الاتهام ونصفها الآخر يُدفن عمدًا .. هذه ليست قراءة سياسية ؛ هذا اجتزاء متعمّد .
الأردن ليس ملاكًا، ولم يدّعِ يومًا العصمة !! لكنه أيضًا ليس دمية تُحرّك بالخيوط ، ولا دفتر شيكات للغرب ، ولا غرفة عمليات لأحد . ومن لا يرى ذلك فمشكلته ليست مع الأردن ، بل مع فكرة الدولة المستقلة التي لا تشبه أوهامه !! .
ليس دفاعًا .. لأن الدفاع يكون عن المتهمين .. وليس نداء مظلومية لأن الأردن لا يعيش على الشكوى !! هذا اتهام صريح لانعدام الإنصاف ولتحليل تحوّل إلى أداة هدم ، ولخطاب مُستعربين يطالبوا بالكرامة وهم أول من داسها حين لَمْ تعجبهم الوقائع .
ظُلم ذوي القربى … ليس موجعًا لأنه ظلم فقط ، بل لأنه يكشف كم صار بعضنا مستعدًا لبيع الحقيقة بثمن التحليل السريع ، وكم صار الطعن من الخلف أسهل من مواجهة الواقع .
المحامي فضيل العبادي