
ما بَعدْ الأكثر امريكية ( 2 ) :
سؤال الداخل الأردني !!
في كتابه The Most American King يتعامل آرون ماجد مع العلاقة الأردنية –الأمريكية بوصفها ركيزة سياسية وأمنية في معادلة بقاء الدولة لكنه —بحسب ما يظهر في فصول الكتاب—لا يذهب بعيدًا في تفكيك ما تتركه هذه العلاقة في وجدان المواطن العادي .. الأردني وهو يتتبع سرد التحالفات والمكاسب والدعم يلمس فجوة واضحة بين لغة الدولة ولغة الشارع !! فجوة لا يُنكرها المؤلف لكنه لا يدخل إلى عمقها النفسي والاجتماعي .
في الداخل الأردني لا تُقرأ العلاقة مع الولايات المتحدة بوصفها ” تحالفًا استراتيجيًا ” مجردًا بل بوصفها علاقة مثقلة بتاريخ المنطقة وذاكرة الصراع ومواقف واشنطن من فلسطين والعراق وعموم الوطن العربي ، المواطن لا يسأل السؤال بذاتِ منطق الدوله ، بل من منطق الربحِ والخسارة والكُلفة : ماذا تعني هذه العلاقة لي كمواطن ؟ ماذا تغيّر في حياتي ؟ وهل ما أتحمّله من ضغوط اقتصادية وقيود سياسية له صلة بهذه الخيارات الكبرى ؟ .
المؤلف يلمّح إلى هذا الشعور حين يتحدث عن الاحتجاجات .. النقد غير المعلن .. تراجع الثقة وحدود الحرية الفردية .. لكنه لا ينقله بقلمهِ مباشرة .. بل يترك الأمر للقاريء لقولِ ما لَمْ يَقُلهُ .. فالمواطن في نظر المؤلف يظهر غالبًا كـ”مؤشر ضغط” لا كفاعل يعبّر عن نفسه .. وهنا تكمن المُفارقة : ما يُقرأ في واشنطن كـ”استقرار مُدار” يُعاش في الداخل كـ”صبر طويل” لا فائدة تُرتجى منهُ .
في الوعي الشعبي العلاقة مع أمريكا لا تُختزل في المساعدات ولا في اللقاءات رفيعة المستوى ، بل تُقاس بسؤال بسيط وقاسٍ : لماذا يُطلب من الاردنيين دائمًا الصبر والاحتمال ؟ ولماذا يبدو أن أثمان الخيارات الكبرى تُدفع داخليًا بينما تُحصّل مكاسبها سياسيًا في الخارج ؟ هذا الشعور—حتى حين لا يُقال علنًا—يتراكم بصمت ، ويتحوّل إلى نقد خافت .. وإلى قناعة بأن الدولة تفهم العالم أكثر مما تفهم الناس وتبحث عَنْ رضا الخارج أكثر مِنْ رضا المواطن !! .
المؤلف يشير إلى أن الدولة نجحت في إدارة هذا الغضب عبر الاحتواء الأمني والسياسي لا عبر تحويل التحالف الخارجي إلى قصة داخلية مُقنعة .. فالأمن يمنع الانفجار لكنه لا يصنع الرضا .. والتحالف يؤمّن الغطاء .. لكنه لا يبني الثقة !! وهذه الفكرة تظهر في الكتاب بوصفها نتيجة لا بوصفها مشكلة أخلاقية أو اجتماعية !! أما المواطن فيرى الأمر من زاوية مختلفة : يرى علاقة تُدار على حِسابهِ .. ويُطلب منه أن يتكيّف معها دون أن يكون شريكًا في صناعتها !!.
لا يقول الكتاب إن العلاقة مع أمريكا خاطئة ولا يقول إن رفضها هو الحل !! لكنه—من حيث لا يقصد—يكشف مأزقًا عميقًا : أن السياسة التي تنجح في الخارج قد تفشل في إقناع الداخل إذا لم تُترجم إلى معنى ملموس في حياة الناس ، وهنا لا يعود السؤال : هل فهم الملك التوازنات الدولية وَعَمِل عليها ؟ الإجابة عند المؤلف نعم ، ولكن يصبح السؤال : هل جرى شرح هذه التوازنات للناس ؟ وهل شعر المواطن أن هذا الفهم خُلق لأجله ، أم فُرض عليه باعتباره قدرًا ؟.
في هذا السياق يمكن القول إن المواطن الأردني لا يعادي التحالفات بقدر ما يعادي الإحساس بالتهميش داخلها .. ولا يرفض الاستقرار بقدر ما يرفض أن يكون ثمنه دائمًا من رصيده وحده .. وهذه المسافة—بين دولة ترى في العلاقة مع أمريكا شبكة أمان .. ومجتمع يراها عبئًا غير مفهوم !! يبتعد المؤلف عن الإجابة بقصد أو دون قصد !! ولكنه سيبقى الجواب المفقود والسؤال الحرام !! .
المحامي فضيل العبادي