
أيتُها الحكومة …
إحذَري حصان طروادة العَربيْ !!!
لم تسقط طروادة لأن أسوارها كانت ضعيفة ، بل لأنها وثقت بما بدا هدية … حصان خشبي أُدخل إلى قلب المدينة باسم السلام ليخرج منه ما عجزت الجيوش عن إدخاله بالقوة … ومنذ ذلك اليوم لم يعد “حصان طروادة” مجرد أسطورة .. بل تحوّل إلى استعارة سياسية تتكرر كلما استعصى الهدم من الخارج فيأتي الاختراق من الداخل .
في عالم اليوم لا يأتي الحصان على عجلات ولا يُصنع من خشب .. يأتي في هيئة خطاب ناعم .. استثمار .. تسامح ديني .. دعم اقتصادي وشراكات استراتيجية .. لا يرفع سلاحًا ولا يهدد أحدًا .. لكنه يفتح الأبواب المغلقة ويعيد ترتيب المفاهيم .. حين تفشل المواجهة المباشرة تبدأ حروب الولوج .. الولوج إلى الأسواق قبل الحدود .. وإلى العقول قبل الخرائط وإلى مراكز القرار قبل الجبهات .
المال الذي يُقدَّم بوصفه لغة محايدة يتحوّل – حين يقترن بالسياسة – إلى أداة نفوذ .. لا يشتري الشركات فقط بل يشتري الصمت ، ويعيد تعريف الأولويات ويخلق تحالفات تتجاوز إرادة المجتمعات .. ومع الوقت يصبح ما كان مرفوضًا “واقعية” .. وما كان خطًا أحمر “ تفصيلاً قابلًا للتفاوض .”
الأخطر في هذه المعادلة ليس العدو الذي يطرق الباب .. بل من يحمل المفتاح !! في الإقليم يبرز نموذج دولة عربية تتقن لعب دور الوسيط لا لتخفيف الصراع ، بل لإعادة تعريفه .. تُقدِّم العدو شريكًا اقتصاديًا ، وتُعيد رَسمَ صورته عبر منصّات وخطابات تعايش .. وتمنحه ما عجز عن انتزاعه بالقوة !! شرعية الحضور .
لا يحدث الاختراق بقرار واحد .. بل بتراكمات صغيرة تُسوَّق كل واحدة منها كمصلحة منفصلة ، حتى تكتمل الصورة بلا ضجيج .
لا يبدأ السقوط حين تُوقَّع الاتفاقيات !! بل حين تتبدّل اللغة .. حين يصبح الاحتلال نزاعًا .. والمقاومة فوضى .. والتجسّس تبادل خبرات .. والعدو جارًا يحتاج فرصة .. هنا يكون الحصان قد دخل بالفعل ، حتى لو لم تُرفع أعلام ولم تُطلق رصاصة واحدة !! تطبيع السياسة يمر سريعًا لكن تطبيع الوعي أعمق أثرًا وأطول عمرًا .
وتحت لافتات التوافق الديني وحوار الأديان تُعاد هندسة الذاكرة الجماعية .. لا اعتراض على الحوار في ذاته بل على توظيفه لتبييض صراع لم ينتهِ !! حين يُختزل العدل في ابتسامة ، تُفرَّغ القيم من معناها .. ويُستبدل الحق بإدارة علاقات عامة .
الدولة التي تُعرِّف نفسها بوظيفتها الإقليمية لا بمصلحتها الوطنية تُقايض السيادة بالدور .. والدور بالقبول .. والقبول بالصمت عن الاختراق .. ومع الوقت تصبح البراغماتية مبرّرًا دائمًا ، وتغدو كل الخطوط قابلة للكسر.
هذا المنطق أخطر من العداء الصريح لأنه يعمل بلا مقاومة ويُقنع ضحاياه بأنهم شركاء في المكسب .
التحذير ليس من دولة بعينها بل من نموذج سياسي يعتقد أن الطريق إلى النفوذ يمر عبر تسهيل ما لا يُقال .. وتمرير ما لا يُحتمل ، وتطبيع ما لا يجوز تطبيعه .
التاريخ واضح : من يعجز عن كسر الأسوار سيحاول الدخول بإستثمار !! ومن يقبل أن يكون الحصان سيُطالِب لاحقًا بفتح كل الأبواب .. والدولة التي تُخطئ التقدير مرة .. قد لا تُمنح فرصة ثانية .
المحامي فضيل العبادي