مجلس السلام الفرعوني !!

مجلس السلام الفرعوني !!

في التاريخ السياسي الحديث لم يكن السلام يومًا قرارًا مفاجئًا ولا وثيقة تُرسل بالبريد إلى الدول لتوقيعها كما هي .. السلام كما استقر في الضمير القانوني الدولي منذ منتصف القرن العشرين يكون نتاج تفاوض وتوازن وتنازل متبادل .. لا ثمرة إرادة فرد مهما بلغت قوته .. من هنا يثير ما سُمّي بـ“مجلس السلام” قدرًا كبيرًا من السخرية والاستغراب ، لا لأن العالم يرفض السلام، بل للطريقة التي قُدِّم بها – أو قُل فُرِضَ بها – طريقة تنتمي إلى منطق مختلف تمامًا عن منطق الدولة الحديثة والنظام الدولي .

الفكرة لم تولد من مؤتمر دولي ، ولم تسبقها مفاوضات متعددة الأطراف ، ولم تشارك الدول المعنية في صياغة ميثاقها .. النص كُتبَ أولًا ثم وُجِّهت الدعوات لاحقًا : من يرغب فليدخل ومن لا يرغب فليبقَ خارج “السلام” هذا .

هذا وحده كافٍ لطرح سؤال جوهري : أي سلام هذا الذي يُطلب من الدول الانضمام إليه دون أن يكون لها رأي في تعريفه أو تحديد أدواته أو حدوده ؟ الفارق بين منظمة دولية حقيقية مثل United Nations وبين مبادرة أحادية ، هو أن الأولى نتاج إرادة جماعية تعاقدية بينما الثانية مجرد عرض سياسي مشروط .

الأكثر إثارة للسخرية ليس غياب المشاركة المشروعة فقط بل طبيعة السلطة الممنوحة لرئيس المجلس .. فبحسب مسودة الميثاق المتداولة تُجمع الصلاحيات التنفيذية والتفسيرية والتنظيمية في يد شخص واحد هو الرئيس المؤسس Donald Trump .. هو مَنْ يقرر من يدخل المجلس وَمَنْ يخرج .. وهو مَنْ يفسر الميثاق .. وهو مَنْ يوافق على القرارات أو يوقفها .. وهو مَنْ ينشئ الهيئات الفرعية أو يحلها .. وهو المرجع الأخير في أي نزاع .. هذا التركيز للسلطة لا يشبه أي نموذج مؤسسي دولي معروف !! بل يعيد إلى الأذهان نماذج حكم فردية كان يُفترض أن العالم تجاوزها .. حيث تختصر الدولة والمؤسسة والقانون في شخص واحد هُوَ فرعون هذا العصر .

ثم يأتي السؤال الأهم : أين السلام في “مجلس السلام” ؟ فالميثاق في جوهره يتحدث عن الاستقرار والإدارة وإعادة البناء ، لكنه يتجنب القضايا التي تشكّل جوهر النزاعات الحديثة .. لا حديث صريح عن الاحتلال ولا عن حق تقرير المصير ولا عن القانون الدولي الإنساني ، ولا عن العدالة بوصفها شرطًا للسلام .. السلام هنا لا يُقدَّم كحالة قانونية قائمة على الإنصاف بل كحالة إدارية تُدار بالتمويل والتنسيق !! وكأن النزاعات ليست نتاج ظلم تاريخي بل مجرد خلل في الإدارة يمكن إصلاحه بمجلس جديد.

وتزداد السُخرية حين تُوجَّه الدعوات إلى رؤساء وملوك الدول لا إلى مؤسساتها الدستورية .. فالدولة تُختزل في الحاكم أو الرئيس ، والبرلمانات تُهمَّش والرأي العام لا أهميّة له .. العضوية تُنسب للدولة شكلًا لكن القرار يُدار عمليًا عبر شخص واحد .. ما يحوّل السيادة من مفهوم مؤسسي إلى توقيع فردي ، ويُفرغ فكرة الشراكة الدولية من مضمونها الحقيقي .

أما التمويل، فيكشف عن منطق آخر أكثر فجاجة .. فربط امتيازات العضوية أو استمرارها بمساهمات مالية ضخمة يحوّل المجلس من إطار سياسي إلى ما يشبه نادي الممولين .. في القانون الدولي المال لا يمنح سلطة سياسية ولا يشتري شرعية .. أما هنا فيبدو أن القدرة على الدفع تفتح أبوابًا أوسع داخل “السلام” وكأن العدالة أصبحت بندًا اختياريًا لمن يملك الثمن .

في المحصلة لا تكمن المشكلة في الطموح المعلن لتحقيق السلام بل في الطريقة التي تُدار بها الفكرة .. وفي الذهنية التي تقف خلفها .. ما طُرح لا يشبه منظمة دولية بالمعنى القانوني ولا إطارًا تفاوضيًا بالمعنى السياسي .. بل مبادرة فردية بسلطات مطلقة، يُطلب من الدول أن تضفي عليها الشرعية بعد اكتمالها لا أثناء صياغتها .. وهنا تحديدًا تتجلى السخرية : أن يُدعى العالم إلى مجلس للسلام بينما يُدار بمنطق فرعوني لا يعرف التوازن ولا الشراكة .. ولا يعترف بأن السلام في النهاية لا يُفرض… بل يُبنى !! ويسألون ” يا فرعون مَنْ فَرعَنَكَ ” ؟؟.

المحامي فضيل العبادي

Read Previous

انطلاق أعمال ملتقى الأعمال السعودي الأردني في الرياض  

Read Next

رئيس الوزراء يفتتح فندق كراون بلازا البترا المغلق منذ عام 2012

Most Popular