
اخبار ع النار-أعلنت السعودية عن حزمة مشروعات تنموية تقارب قيمتها 500 مليون دولار في اليمن في إشارة عميقة إلى تحوّل في إدارة الملف اليمني، وإلى محاولة إعادة صياغة موازين النفوذ في مناطق ظلت لسنوات خارج دائرة القرار المركزي، وتحديداً تلك التي كانت تحت سيطرة قوى انفصالية متحالفة مع الإمارات قبل تراجعها هذا الشهر في هجوم حظي بدعم سعودي مباشر.
تتقدّم هذه الخطوة في سياق إقليمي متشابك، حيث تختلط التنمية بالسياسة، والإعمار بالأمن، وتتشابك فيها حسابات التحالف والخلاف داخل المعسكر الواحد.
جنوب اليمن، الذي عاش طويلاً بين مشاريع متنافسة وسلطات متنازعة، يجد نفسه اليوم أمام مشهد جديد، تتقاطع فيه وعود البناء مع رسائل سياسية لا تخطئها العين.
تحرّك تنموي في لحظة سياسية حساسة
تأتي المشاريع المعلنة في توقيت بالغ الدلالة، بعد أسابيع من هجوم مدعوم من الرياض أنهى وجود المجلس الانتقالي الجنوبي في مناطق استراتيجية، كان قد سيطر عليها العام الماضي وتقدّم خلالها إلى مسافات قريبة من الحدود السعودية.
تتحرّك السعودية هنا من منطلق أمني وسياسي متداخل، بعد أن وصفت الرياض سابقاً هذا التقدّم بأنه تهديد مباشر لأمنها القومي.
تُوزَّع المشاريع على عشر محافظات يمنية، وتشمل بناء مستشفيات ومدارس، وشق طرق حيوية، إضافة إلى تبرعات بالوقود لرفع إنتاج الطاقة الكهربائية، في بلد يعاني من انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية.
يتحوّل الإعلان إلى رسالة مزدوجة: دعم للحكومة المعترف بها دولياً، ومحاولة لإعادة تثبيت نفوذ الدولة المركزية في الجنوب عبر أدوات مدنية وتنموية.
تظهر هذه الرسالة بوضوح في اللقاء الذي جمع وزير الدفاع السعودي مع رئيس الحكومة اليمنية وعدد من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، حيث جرى التأكيد على دعم الرياض للسلطة الشرعية، ليس فقط في بعدها العسكري، بل في قدرتها على استعادة دورها في إدارة شؤون الناس اليومية.
سقطرى… الجزيرة التي تتجاوز الجغرافيا
تتخذ بعض تفاصيل الإعلان طابعاً رمزياً لافتاً، أبرزها قرار بناء مسجد في جزيرة سقطرى يحمل اسم “خادم الحرمين الشريفين”.
لا يبدو هذا القرار معزولاً عن السياق السياسي، فالجزيرة الواقعة في المحيط الهندي شكّلت لسنوات نقطة نفوذ إماراتي مباشر، لما تمثله من أهمية استراتيجية تتجاوز حدود اليمن.
يأتي هذا الإعلان في لحظة تشهد فيها سقطرى إعادة تموضع، بعد تراجع السيطرة الإماراتية التي استمرت لسنوات.
يتحوّل المسجد هنا إلى علامة سياسية بقدر ما هو مشروع ديني، وإلى إشارة على دخول سعودي مباشر إلى ملف ظل حساساً ومعقّداً، بسبب تداخله مع حسابات الملاحة الدولية والأمن البحري.
تعكس هذه الخطوة رغبة سعودية في تثبيت حضور طويل الأمد في الجنوب، لا يقتصر على دعم عسكري أو سياسي ظرفي، بل يمتد إلى رمزية المكان وإعادة تشكيل الذاكرة العامة في مناطق عاشت طويلاً خارج تأثير الدولة المركزية.
تحالف تحت الاختبار وخلافات تتكشّف
تتحرّك هذه التطورات على خلفية علاقة معقّدة بين السعودية والإمارات، اللتين عملتا لسنوات ضمن تحالف واحد في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران.
ورغم استمرار هذا الهدف المشترك، تكشّفت خلال الفترة الأخيرة خلافات حادة بين الطرفين حول ملفات إقليمية متعددة، تتراوح بين الجغرافيا السياسية وإنتاج النفط، وصولاً إلى شكل النفوذ في اليمن.
برزت هذه الخلافات بوضوح مع تمدّد المجلس الانتقالي الجنوبي في اتجاه الحدود السعودية، وهو تمدّد رأت فيه الرياض تهديداً مباشراً، بينما كانت أبوظبي تُتَّهم بدعم قوى انفصالية تسعى إلى فرض واقع سياسي جديد في الجنوب.
ومع الهجوم الأخير الذي أطاح بالمجلس الانتقالي في مناطق رئيسية، بدا أن السعودية قررت الانتقال من موقع الموازن إلى موقع الفاعل المباشر.
تقدّم المشاريع التنموية كأداة سياسية ناعمة في هذا السياق، حيث تحاول الرياض ملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ الإماراتي، وإعادة توجيه البوصلة جنوباً نحو مشروع دولة موحدة، أو على الأقل نحو سلطة مركزية أقرب إلى رؤيتها للأمن الإقليمي.
تتحوّل التنمية في هذا المشهد إلى لغة سياسية بديلة، تُخاطب الناس قبل النخب، وتعيد رسم خطوط النفوذ بعيداً عن لغة السلاح وحدها.
وبينما تستمر الحرب الأهلية في اليمن، وتبقى الأزمة الإنسانية واحدة من الأشد قسوة في العالم، يظل السؤال مفتوحاً حول قدرة هذه المشاريع على إحداث تغيير حقيقي في حياة اليمنيين، أو ما إذا كانت ستبقى جزءاً من صراع نفوذ إقليمي يتخذ من الأرض والإنسان مسرحاً دائماً له.
في جنوب اليمن، لا تُقرأ الطرق والمستشفيات والمدارس بوصفها بنى تحتية فقط، بل كإشارات على اتجاه الرياح السياسية. ومع كل حجر يُوضَع، تُعاد كتابة فصل جديد من قصة بلد لا يزال يبحث عن استقراره بين تناقضات الداخل وتشابكات الخارج.