
اخبار ع النار-تسود حالة الاستياء في محافظة إربد عقب البدء بهدم مشاغل مدرسة وصفي التل الصناعية، ضمن مشروع يهدف إلى إنشاء حديقة عامة في مخطط تطوير وسط المدينة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول الأولويات، وتوقيت التنفيذ، وانعكاساته المباشرة على التعليم المهني.
وتُعد مدرسة وصفي التل الصناعية من أقدم المدارس المهنية في محافظة إربد، ورافداً رئيساً لسوق العمل المحلي بالكفاءات الفنية، حيث تعتمد بشكل أساسي على المشاغل العملية في تخصصات متعددة، وتشكل العمود الفقري للعملية التعليمية، ولا يمكن الاستعاضة عنها بالتعليم النظري.
وحسب عاملين في المشاغل، فإن المشاغل التي جرى هدمها كانت تُستخدم بشكل يومي من قبل الطلبة، وتضم معدات وأدوات تدريب عملي تتيح لهم اكتساب المهارات المهنية اللازمة، وهو ما دفع العديد من أولياء الأمور إلى التعبير عن قلقهم من تأثير هذه الخطوة على مستقبل أبنائهم التعليمي والمهني، خصوصاً في ظل عدم وضوح البدائل التي ستُوفَّر للطلبة خلال الفترة الحالية.
في المقابل، بررت الجهات المعنية خطوة الهدم بأنها تأتي في إطار مشروع متكامل لتطوير وسط مدينة إربد، يتضمن إنشاء حديقة عامة كبيرة تخدم أهالي المنطقة، وتوفير مساحات خضراء ومتنفس حضري، مع التأكيد على أن المبنى التراثي للمدرسة سيبقى محفوظاً دون أي مساس، وأن أي بناء تراثي سيتم الحفاظ عليه وتغيير صفة استخدامه بما يتوافق مع المشروع.
كما أشارت إلى أن بعض الأبنية التي جرى هدمها أُضيفت لاحقاً، وأنها قائمة على قواعد قديمة، وتشكل عبئاً إنشائياً ولا تتوافق مع الرؤية الجديدة للموقع، مؤكدة أن المشروع يهدف في نهاية المطاف إلى خدمة المجتمع المحلي بشكل أوسع.
إلا أن هذه التوضيحات لم تقنع شريحة واسعة من المواطنين والمهتمين بالشأن التربوي، الذين تساءلوا عن جدوى تنفيذ مشروع خدمي على حساب مؤسسة تعليمية قائمة، دون الإعلان بشكل واضح عن بدائل حقيقية تضمن استمرار التدريب العملي للطلبة دون انقطاع أو تراجع في المستوى التعليمي.
وطالب تربويون وناشطون بضرورة إعادة النظر في آلية تنفيذ المشروع، داعين إلى التنسيق المسبق بين الجهات البلدية والتربوية، ووضع خطة مرحلية تضمن عدم الإضرار بالطلبة، مؤكدين أن تطوير المدن لا يجب أن يتم على حساب التعليم، لا سيما التعليم المهني الذي تسعى الدولة إلى دعمه وتشجيع الشباب على الالتحاق به.
وأشاروا إلى أن الاستثمار في التعليم المهني لا يقل أهمية عن إنشاء الحدائق والمرافق العامة، بل يعد ركيزة أساسية في معالجة قضايا البطالة وتمكين الشباب اقتصاديًا، محذرين من أن أي تراجع في جودة التدريب العملي قد ينعكس سلبًا على سوق العمل مستقبلاً.
الحفاظ على التراث
إلى ذلك، أكد مواطنون ضرورة إشراك المجتمع المحلي في أي مشروع تطوير، والحفاظ على المباني التراثية بدلاً من هدمها، مؤكدين أن الحفاظ على التراث لا يتعارض مع التحديث، بل يعزز هوية المدينة ويجعلها أكثر جذبًا للسكان والزوار.
وقالوا إن إزالة مشاغل مدرسة وصفي التل الصناعية كانت متسرعة وغير مدروسة، وتفتقر إلى رؤية عمرانية وثقافية مستدامة، مؤكدين أن هذه المشاغل كان بالإمكان إعادة تأهيلها وتحويلها إلى أسواق شعبية نابضة بالحياة، أو مراكز للمعارض الفنية، أو فضاءات للبازارات والأنشطة المجتمعية، من خلال تدخلات تصميمية بسيطة ولمسات فنية مدروسة، لتصبح إضافة نوعية للمكان وللمدينة ككل.
بهذا الخصوص، اعتبرت عضو مجلس محافظة إربد السابق رولا بطاينة أن هدم مشاغل وصفي التل الصناعية، التابعة لأقدم المدارس المهنية في المحافظة، والتي يزيد عمرها على سبعين عامًا، لا يعد مجرد إزالة مبنى قديم، بل فقدان جزء من صرح تعليمي شكل جزءًا أصيلاً من ذاكرة المدينة ومسيرتها التنموية.
وقالت إن المشاغل خرجت على مدار عقود آلاف الفنيين والمهنيين الذين أسهموا في بناء الوطن، وحملوا قيمة العمل والإنتاج بكرامة، وكانت نموذجًا حيًا لدور التعليم المهني في تمكين الشباب وربطهم بسوق العمل.
وأضافت بطاينة أن المجتمع يدرك أهمية المساحات الخضراء والحدائق العامة، كما يدرك الحاجة إلى تطوير المدن، إلا أن القلق المجتمعي يكمن في أن يتم ذلك على حساب مؤسسة تعليمية قائمة، دون نقاش عام واسع حول الأثر، ودون تسليط الضوء على قيمة التعليم المهني كأولوية وطنية.
وبيّنت أنه وبما أن الهدم أصبح واقعًا، فإن هذا الطرح يأتي من باب التوعية المجتمعية بأهمية ما فُقِد، وضرورة فتح نقاش عام لحماية ما تبقى من المؤسسات التعليمية العريقة، وضمان أن تكون القرارات المستقبلية المتعلقة بالتعليم مبنية على رؤية طويلة المدى، ودراسات أثر حقيقية، ومشاركة مجتمعية أوسع.
أما الناشطة مي جاد الله، فترى أن مدينة إربد لا تعاني من نقص في الساحات إلى حد يبرر إزالة مشاغل مدرسة يزيد عمرها على عقود، مشيرة إلى أن تطوير وسط المدينة يجب أن يقوم على الحفاظ على ملامحه التاريخية وترميمها لا إزالتها، باعتبار المدرسة جزءًا من ذاكرة المدينة التعليمية والمهنية.
وأضافت جاد الله أن توقيت الهدم جاء في نهاية الفصل الدراسي الأول، ما يثير تساؤلات حول آلية تدريب طلبة الفرع الصناعي في الفصل الثاني، في ظل غياب المشاغل والأدوات اللازمة للتدريب العملي، لافتة إلى أن بعض المعدات أُزيلت بطريقة قد تحول دون الاستفادة منها مستقبلًا، رغم أن كلفتها تقدر بعشرات الآلاف من الدنانير.
وأشارت إلى أن موقع المدرسة المتوسط كان يشكل ميزة مهمة للطلبة، إذ سهّل وصولهم دون تكاليف نقل إضافية، في وقت تعاني فيه الأسر من أعباء اقتصادية متزايدة، مؤكدة أن أي تغيير في موقع التدريب أو الدراسة سيضاعف من معاناة الأهالي.
الصيانة بدل الإزالة
وقال الناشط محمد سلامة، وهو أحد خريجي المدرسة، إن المشاغل التي تم هدمها كان بالإمكان تأهيلها وصيانتها بدلاً من إزالتها، معتبراً أن تدمير الآلات، حتى وإن كانت قديمة، مصيبة حقيقية، لأنها جزء من تاريخ التعليم المهني وخبراته المتراكمة.
وشدد على ضرورة الحفاظ على جميع المدارس الصناعية في المملكة، مؤكداً أن المدارس الصناعية ليست عبئاً، بل ركيزة من ركائز التنمية، وكان الأولى تطويرها لا طمسها.
بدوره، أكد مدير التربية والتعليم للواء قصبة إربد الدكتور رعد الخصاونة أن مبنى مدرسة الشهيد وصفي التل الصناعية، المصنف كمبنى تراثي، لن يتعرض لأي إزالة أو تعديل أو تغيير، مشدداً على أن المدرسة ستبقى محافظة على معالمها وهويتها التاريخية دون أي مساس، وأن جميع الأعمال الجارية تقتصر فقط على إزالة الهناجر والمشاغل القديمة التي أضيفت قبل سنوات ولا تشكل جزءاً من المبنى التراثي الأصلي.
وأضاف أن مدرسة إربد الثانوية ستبقى أيضاً دون أي تغيير في مبناها الأساسي، لافتاً إلى أنه خلال زيارة رئيس الوزراء الأخيرة، وبناءً على توجيهاته، سيتم تنفيذ مشروع إعادة تأهيل وتحديث شامل للمدرسة، يتضمن إضافة غرف صفية جديدة، وتأهيل الساحات والأسوار، وتحديث المرافق بما يسهم في تحسين البيئة التعليمية للطلبة.
وأشار الخصاونة إلى أن الأعمال الجارية في تل إربد تأتي تنفيذاً لتوجيهات ملكية سامية بتطوير الموقع مع الحفاظ على معالمه التاريخية، وذلك ضمن خطة تطوير وسط مدينة إربد، مبيناً أن ما جرى خلال الأيام الماضية اقتصر على إزالة مشاغل قديمة أُنشئت لاحقاً ولا تعد من مكونات المبنى التراثي، وهي منشآت إسمنتية متهالكة، بعضها آيل للسقوط وتشكل أسقفها خطراً على السلامة العامة، إضافة إلى استخدامها مستودعات تحتوي على مواد مخصصة للإتلاف.
وبُيّن أنه سيتم إنشاء مشاغل حديثة ومتطورة في الجهة الشرقية من مدرسة الشهيد وصفي التل الصناعية، بالتنسيق بين وزارة التربية والتعليم وبلدية إربد والجهات ذات العلاقة، موضحاً أن المشاغل الجديدة ستكون وفق نظام الهناجر الحديثة، ولن يتطلب تنفيذها وقتاً طويلاً، إذ من المتوقع إنجازها خلال فترة قصيرة.
كما لفت الخصاونة إلى أن بلدية إربد عرضت خمسة مواقع لاستخدامها مستودعات مؤقتة، جرى الكشف عليها ونقل محتويات المشاغل القديمة إليها، حيث تم ترحيل المواد التي تحتاج إلى إتلاف إلى أحد مستودعات البلدية، فيما نُقلت الأجهزة والمعدات الصالحة لإعادة الاستخدام إلى مستودعات آمنة، تمهيداً لنقلها لاحقاً إلى المشاغل الجديدة في الجهة الشرقية من المدرسة.
وأضاف أن مشاغل التعليم المهني تُجهَّز بمحتويات وأجهزة حديثة تتلاءم مع طبيعة التخصصات المطروحة، مثل الفن والتصميم، وتخصص الوسائط الإبداعية والاستوديوهات، إضافة إلى تخصصات الشعر والجمال، مؤكداً أن الهدف هو تطوير مهارات الطلبة العملية ضمن بيئة تعليمية حديثة وآمنة.
مشروع تطويري متكامل
بدوره، قال الناطق الإعلامي في بلدية إربد الكبرى غيث التل إن مشروع إنشاء حديقة عامة بمساحة تقارب 30 دونما في وسط المدينة ما يزال قائما، ويجري العمل عليه منذ نحو عام، ضمن رؤية تهدف إلى توفير متنفس حضري لأهالي المدينة، وخلق فضاءات مفتوحة، إلى جانب توفير فرص واستثمارات تخدم التنمية المحلية.
وأوضح أن الحديقة ستتضمن مرافق استثمارية وخدمية، وستكون مفتوحة أمام المواطنين، بما يسهم في تنشيط وسط البلد وتحسين المشهد الحضري، مؤكدا في الوقت ذاته أن القيمة التراثية للموقع ستحافظ عليها ولن يتم المساس بها.
وبين أن المبنى التراثي الأساسي، وهو مبنى المدرسة، سيبقى قائما كما هو، ولن تتم إزالته، فيما سيجري فقط التعامل مع الإضافات التي أُنشئت لاحقا بعد البناء الأصلي، وذلك بما ينسجم مع المخطط الجديد للمشروع.
وأشار التل إلى أن مفاوضات جارية حاليا مع مديرية الأمن العام للتوصل إلى صيغة نهائية تضمن تنفيذ المشروع دون الإخلال بالاعتبارات الأمنية أو التراثية، لافتا إلى أن المشروع يعد جزءا من خطة أوسع لإعادة إحياء وسط المدينة، وتمكينه من أداء دوره كمركز حيوي يليق بالمواطنين والزوار.
وأكد أن المدينة بحاجة إلى وسط حضري متكامل يجمع بين الطابع التراثي والخدمات العامة والمساحات الخضراء، بما ينعكس إيجابا على جودة الحياة ويخدم المصلحة العامة.
وبحسب التل، فإن الإعلان عن إزالة المشاغل وجميع الأبنية التي أُضيفت لاحقا على مبنى المدرسة جاء في إطار مشروع تطويري متكامل، يهدف إلى إنشاء حديقة مطلة وحديقة عامة كبيرة تخدم جميع أهالي المنطقة والمدينة.
وشدد على أن المبنى التراثي الأصلي للمدرسة لن يتم المساس به إطلاقا، مبينا أن أي بناء ذي قيمة تراثية سيبقى على حاله، مع تغيير صفة استخدامه فقط بما يتوافق مع طبيعة المشروع الجديد، وبما يحافظ على هويته التاريخية.
وأوضح أن الأبنية المضافة لاحقا، بما فيها المشاغل، تشكل تشويها بصريا، وهي مغلقة وغير مستغلة، وتستحوذ على مساحات واسعة في منطقة ظهر التل دون أي فائدة حقيقية لسكان المدينة، الأمر الذي استدعى إزالتها لتمكين تنفيذ المشروع بالصورة المطلوبة.
وبين التل أن المشروع يأتي ضمن مخطط حضري شامل، مؤكدا الجدية الكاملة في تنفيذه على أرض الواقع.
وأضاف أن الجهات المنفذة تحترم مختلف الآراء ووجهات النظر، إلا أن المشروع يعد ضرورة حضرية وتنموية، وسينفذ في نهاية المطاف لما فيه مصلحة المدينة وأهلها، ليكون وسط البلد أكثر حيوية وجاذبية، ومساحة مفتوحة تليق بالمواطنين