
بقلم: د. معاذ مقبول البحيرات
جامعة عمان العربية
شهدت سلاسل التوريد العالمية في السنوات الأخيرة اضطرابات كبيرة تأثرت بها اقتصادات عدة دول، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. في ظل قيادة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، تم تبني سياسات اقتصادية تركز على حماية الصناعة الأمريكية عبر فرض رسوم جمركية وزيادة الحواجز التجارية. إحدى أبرز هذه السياسات كانت فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الواردات الصينية التي بلغت قيمتها نحو 370 مليار دولار أمريكي في عام 2020. هذه القرارات أدت إلى تعطيل تدفقات السلع بين الأسواق العالمية، ودفعت العديد من الشركات إلى البحث عن أسواق بديلة، ما أثر بشكل كبير على الدول النامية مثل الأردن ودول المنطقة.
الأردن، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد السلع الأساسية مثل المواد الخام والآلات من دول مثل الصين والولايات المتحدة، كان من بين المتأثرين بشكل كبير بتلك الاضطرابات. وفقًا لتقرير دائرة الإحصاءات العامة في الأردن، بلغت قيمة واردات المملكة في عام 2020 حوالي 17.5 مليار دولار أمريكي. في ظل فرض الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية، شهد الأردن زيادة في أسعار العديد من السلع المستوردة، ما أدى إلى رفع تكاليف الإنتاج بشكل عام. على سبيل المثال، سجلت أسعار الحديد والألومنيوم زيادة بلغت حوالي 12% في عام 2020، وهو ما أثقل كاهل القطاع الصناعي الأردني وزاد من التحديات الاقتصادية التي يواجهها.
تأثر الاقتصاد الأردني بشكل غير مباشر من هذه الاضطرابات في سلاسل التوريد، حيث ارتفعت معدلات التضخم في المملكة. ففي عام 2020، سجل التضخم في الأردن نسبة 0.9% مقارنة بـ -0.3% في العام السابق، وهو ما يعكس الزيادة في أسعار السلع الاستهلاكية. كانت الزيادة في أسعار المواد الغذائية هي الأكثر وضوحًا، حيث أظهرت بيانات البنك المركزي الأردني أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة 8.3% في عام 2020. هذه الزيادة تضاعفت بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والنقل نتيجة للاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، مما أدى إلى تقلص القدرة الشرائية لدى الأسر الأردنية وزيادة الضغوط الاقتصادية.
على المستوى الإقليمي، كانت منطقة الشرق الأوسط بأسرها عرضة لتداعيات قرارات ترامب الاقتصادية. دول مثل السعودية والإمارات التي تعتمد بشكل كبير على التجارة مع الولايات المتحدة والصين تأثرت بشكل مباشر من الرسوم الجمركية العالية التي فرضتها إدارة ترامب. على سبيل المثال، في 2019، سجلت التجارة بين الصين ودول الخليج تراجعًا بنسبة 9.6% مقارنة بعام 2018، بحسب بيانات غرفة التجارة العربية الصينية. هذا التراجع في التبادل التجاري كان نتيجة للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، مما أثر على صادرات وواردات دول المنطقة وأدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج والتوريد.
وفي الوقت نفسه، لم يكن تأثير سياسات ترامب على المنطقة مقتصرًا على الزيادة في الرسوم الجمركية فقط، بل شمل أيضًا اضطرابًا في استراتيجيات سلاسل الإمداد. على سبيل المثال، أدت الرسوم الجمركية إلى انخفاض حجم التجارة العالمية بنسبة 5.3% في عام 2020 وفقًا لتقرير منظمة التجارة العالمية. ومع تفشي جائحة كورونا، زادت صعوبة الوصول إلى الأسواق العالمية، مما أدى إلى نقص في العديد من السلع الأساسية مثل الأجهزة الطبية والمواد الغذائية، وزيادة الضغط على الحكومات المحلية لتأمين الإمدادات.
إضافة إلى ذلك، لم تكن التجارة النفطية بمنأى عن تأثير هذه السياسات. فقد أدت التوترات التجارية إلى تذبذب أسعار النفط العالمية، والتي كانت تتراوح بين 40 و 70 دولارًا للبرميل خلال 2020. هذه التقلبات أثرت على الدول النفطية في الشرق الأوسط التي تعتمد بشكل أساسي على إيرادات النفط لتدعيم اقتصاداتها. المملكة العربية السعودية على سبيل المثال شهدت انخفاضًا في إيراداتها النفطية بنسبة 30% في عام 2020 مقارنة بالعام السابق، وهو ما أثر بشكل مباشر على الميزانية العامة وأدى إلى تقليص الإنفاق الحكومي في العديد من المشاريع التنموية.
على الرغم من هذه التحديات، يواجه الأردن ودول الشرق الأوسط فرصة للتحول إلى اقتصادات أكثر استدامة ومرونة في مواجهة الأزمات. من خلال تعزيز التعاون الإقليمي وزيادة التجارة البينية، يمكن لهذه الدول تقليل اعتمادها على سلاسل التوريد العالمية المعقدة. وفقًا لتقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، يمكن أن تزداد التجارة الإقليمية بين الدول العربية بنسبة تصل إلى 20% إذا تم تعزيز التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة. هذا يمكن أن يقلل من تأثير تقلبات السوق العالمية على الاقتصادات المحلية ويحفز النمو الاقتصادي.
من جهة أخرى، يعتبر الاستثمار في القطاعات الرقمية والابتكار من الفرص الكبيرة أمام الأردن والشرق الأوسط. في ظل التحديات التي تواجه سلاسل التوريد العالمية، يمكن لهذه الدول الاستثمار في تكنولوجيا الإنتاج الرقمي مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على استيراد السلع. ومن خلال هذه الابتكارات، يمكن تحسين كفاءة الإنتاج وتقليل التكاليف على المدى الطويل، مما يساعد في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحقيق النمو المستدام.
ختامًا، ورغم التحديات الكبيرة التي تفرضها القرارات الاقتصادية التي يتبناها الرئيس ترامب، فإن هناك فرصًا كبيرة أمام الأردن ودول الشرق الأوسط لتحقيق تحول اقتصادي نحو النمو المستدام. من خلال الاستفادة من التعاون الإقليمي والاستثمار في الابتكار، يمكن لهذه الدول تقليل تأثير اضطرابات سلاسل التوريد العالمية وتحقيق تنمية اقتصادية قائمة على التنوع والمرونة