
أخبار ع النار- بقلم: منصور البواريد
في خطوة غير مسبوقة، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية على جميع الواردات ابتداءً من 2 نيسان، في خطوة تهدد بإشعال فتيل مواجهة اقتصادية عالمية غير متوقعة. هذا القرار ليس مجرد تعديل في السياسات التجارية الأمريكية، بل هو إعلان صريح عن توجه جديد يسعى لتغيير قواعد اللعبة الاقتصادية الدولية، حتى لو كان الثمن تصعيدًا خطيرًا في العلاقات مع أقرب الحلفاء التجاريين للولايات المتحدة.
ترامب، الذي طالما رفع شعار “أمريكا أولًا”، بات يحول الولايات المتحدة إلى خصم تجاري لدول العالم، حتى أولئك الذين كانوا تاريخيًا أقرب الشركاء. رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، وصفت هذا القرار بأنه لحظة استقلال اقتصادي لأوروبا، لكنها حذرت من أن الجميع سيكونون خاسرين في هذه الحرب التجارية التي قد تمتد تداعياتها لسنوات طويلة.
في المقابل، لم تبقَ القوى الاقتصادية الكبرى مكتوفة الأيدي. الصين، اليابان، وكوريا الجنوبية، بادرت إلى تعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينها، وفرضت تعريفات جمركية مضادة على البضائع الأمريكية، مما يفتح الباب أمام معركة تجارية قد تكون الأخطر منذ الكساد العظيم. وهذا التوجه نحو التحالفات الاقتصادية البديلة قد يُغير من موازين القوى التجارية ويُضعف من النفوذ الأمريكي، خاصة إذا تمكنت هذه الدول من تجاوز الاعتماد على السوق الأمريكية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف سينعكس هذا التصعيد الاقتصادي على الدول غير المنخرطة مباشرة في هذا الصراع، مثل الأردن؟ وهل يمكن للأردن استغلال هذه التحولات لتحقيق مكاسب اقتصادية، أم أنَّه سيجد نفسه في قلب أزمة اقتصادية جديدة؟
*تداعيات القرار عالميًا
القرار الأمريكي لا يؤثر فقط على الدول المستهدفة بشكل مباشر، بل إن تداعياته ستصل إلى جميع أنحاء العالم، حيث يتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق المالية العالمية، وارتفاع في أسعار السلع، واضطراب في سلاسل التوريد الدولية. قد يؤدي ذلك إلى دخول الاقتصاد العالمي في حالة من عدم الاستقرار، وهو ما سيؤثر على الاقتصادات الناشئة التي تعتمد على الاستيراد والتصدير، مثل الاقتصاد الأردني.
*تأثير القرار على الأردن
ارتفاع تكلفة الاستيراد: يعتمد الأردن على الاستيراد في العديد من السلع الأساسية، بما في ذلك الطاقة، الغذاء، والمعدات الصناعية. إذا استمرت الحرب التجارية في تصعيدها، فمن المتوقع أن ترتفع أسعار هذه السلع بشكل كبير، مما سيؤدي إلى زيادة التضخم ورفع كلفة المعيشة للمواطن الأردني.
ضربة للقطاعات التصديرية: من القطاعات الأردنية الأكثر تأثرًا بهذا القرار هي صناعة الأدوية والمنسوجات، حيث يعتمد الأردن على السوق الأمريكية بشكل كبير في تصدير هذه المنتجات. زيادة الرسوم الجمركية ستجعل المنتجات الأردنية أقل قدرة على المنافسة في السوق الأمريكي، مما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب عليها، وتسريح العمالة في هذه القطاعات.
فرص جديدة للتعاون التجاري: رغم التحديات، فإن الأردن قد يجد فرصًا لتعزيز علاقاته التجارية مع دول أخرى، مثل الصين ودول الاتحاد الأوروبي، التي قد تكون أكثر انفتاحًا على التعاون الاقتصادي في ظل الضغوط الأمريكية. استغلال هذه الفرص يتطلب رؤية استراتيجية جديدة وسياسات مرنة تواكب المتغيرات العالمية.
تأثير غير مباشر على تحويلات المغتربين: يعتمد الاقتصاد الأردني بشكل كبير على تحويلات المغتربين العاملين في الخليج. إذا تضررت اقتصادات دول الخليج نتيجة هذه الحرب التجارية، فقد يؤثر ذلك سلبًا على تحويلات المغتربين، مما سيزيد من الضغوط الاقتصادية داخل الأردن.
*نظرة مستقبلية وحلول
في ظل هذه التغيرات العاصفة، فإن بقاء الأردن على الهامش دون تبني استراتيجيات واضحة سيكون بمثابة مغامرة غير محسوبة. على الأردن أن يبدأ فورًا في اتخاذ تدابير استراتيجية للتعامل مع هذه التحولات، والتي تشمل:
تنويع الأسواق التجارية: بدلاً من الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية، على الأردن البحث عن أسواق جديدة في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. توقيع اتفاقيات تجارية جديدة قد يكون أحد الحلول الممكنة.
تحفيز الإنتاج المحلي: تطوير القطاعات الإنتاجية المحلية، وخاصة في مجالات التصنيع والزراعة، سيقلل من الاعتماد على الاستيراد، ويجعل الاقتصاد الأردني أكثر قدرة على الصمود في وجه التقلبات العالمية.
تعزيز الاستثمار الأجنبي: يمكن للأردن استقطاب استثمارات أجنبية من الدول المتضررة من القرارات الأمريكية، مثل الصين والهند وتركيا، والتي تبحث عن بدائل استراتيجية بعيدًا عن النفوذ الأمريكي.
التحول إلى مركز لوجستي إقليمي: استغلال موقع الأردن الجغرافي وتحسين بنيته التحتية قد يجعله مركزًا لوجستيًا حيويًا يربط بين الشرق والغرب، مما قد يوفر فرصًا اقتصادية جديدة.
قرار ترامب ليس مجرد سياسة اقتصادية داخلية، بل هو محاولة لإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي وفق شروط أمريكية جديدة، ولكن هذا التوجه محفوف بالمخاطر. فبدلًا من تعزيز هيمنة الولايات المتحدة، قد يؤدي إلى تسريع تفكك النفوذ الأمريكي، حيث تبحث الدول المتضررة عن بدائل جديدة بعيدًا عن السوق الأمريكي.
الأردن أمام مفترق طرق حقيقي. يمكنه إما أن يستمر في الاعتماد على الأسواق التقليدية، معرضًا نفسه لمخاطر أكبر، أو أن يتخذ خطوات استباقية لتعزيز استقلاله الاقتصادي. أحد الحلول الفعالة قد يكون تبني سياسة اقتصادية أكثر تنوعًا، تعتمد على جذب الاستثمارات، وتطوير قطاع التكنولوجيا والابتكار، مما قد يجعله مركزًا اقتصاديًا إقليميًا.
من جانب آخر، يجب على الأردن تطوير سياسات مالية حكيمة تحميه من التقلبات العالمية، وتعزيز قدراته التفاوضية مع الدول الكبرى لضمان مصالحه الاقتصادية في أي تحالفات جديدة تنشأ نتيجة هذه الحرب التجارية.
الحروب التجارية التي أشعلها ترامب ليست مجرد صراع اقتصادي بين القوى الكبرى، بل هي زلزال اقتصادي ستصل ارتداداته إلى جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الأردن. في ظل هذا الوضع، لا يمكن للأردن أن يبقى متفرجًا، بل عليه أن يتحرك بسرعة لتأمين اقتصاده وبناء تحالفات جديدة تحميه من تداعيات هذه السياسات المتقلبة.
وهنا تأتي رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني -حفظه الله ورعاه-، التي تقوم على بناء اقتصاد أكثر استدامة واستقلالية، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول العالم، والتركيز على الابتكار والاستثمار في الطاقات الشبابية. جلالته لطالما دعا إلى تنويع مصادر الاقتصاد الأردني وتقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية، وهو ما يتماشى تمامًا مع الحاجة الملحة اليوم لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية الأردنية بما يتلاءم مع هذه التحولات العالمية.
إن المرحلة القادمة تتطلب رؤية واضحة وسياسات جريئة تستند إلى التوجيهات الملكية الحكيمة، التي تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتعزيز دور الأردن كمحور تجاري واستثماري في المنطقة. فالمستقبل لا ينتظر أحدًا، والاقتصاد الأردني بحاجة إلى ديناميكية جديدة تضمن له الاستقرار والنمو في عالم يتغير بوتيرة متسارعة. إن مفتاح النجاح يكمن في المرونة والاستجابة الذكية، فمن يواكب التغيرات العالمية هو من يحقق الازدهار.