بقلم : علاء عواد
في الذكرى الثامنة والسبعين لـ النكبة، لا نتحدث عن تاريخٍ مضى بل عن وجعٍ ما زال حيًا يتنفس في صدور الناس منذ ثمانية وسبعين عامًا.
ثمانية وسبعون عامًا وما زالت أم فلسطينية تحتفظ بمفتاح بيتٍ تهدّم وتهمس لأولادها: “هون كانت دارنا… وهون كانت حياتنا”.
خرجوا يومها وهم يظنون أن الغياب أيام قليلة.
أغلقوا الأبواب تركوا فناجين القهوة على الطاولات، خبّأت الأمهات الخبز لأطفالهن، وقالوا: “سنعود بعد أن تهدأ الحرب”.
لكن الحرب لم تهدأ… والعمر كله مرّ وهم على أبواب الانتظار.
كبر الأطفال الذين هُجّروا، صاروا شيوخًا ومات كثير منهم وهم يرددون أسماء القرى كما تُتلى الأدعية الأخيرة.
ماتوا وهم يحفظون الطريق إلى البيت أكثر من حفظهم لطرق المنافي.
حتى الذين لم يروا فلسطين يومًا فقد وُلدت فلسطين في قلوبهم بالفطرة، كأن الأرض تورَّث في الدم، لا في الأوراق.
أي وجعٍ هذا الذي يجعل رجلًا عجوزًا يبكي كلما رأى مفتاحًا قديمًا؟
وأي وطنٍ هذا الذي يسكن الإنسان حتى وهو بعيد عنه منذ عشرات السنين؟
النكبة لم تكن خسارة أرض فقط كانت خسارة أمّ لابنها وطفلٍ لطفولته، وإنسانٍ لشعوره بالأمان.
كانت لحظة إنكسار كبرى للعرب جميعًا وما زال صداها حتى اليوم يرتجف في القلوب.
ثمانية وسبعون عامًا والمخيمات تكبر بدل أن تصغر.
القبور امتلأت بمن كانوا يحلمون بالعودة لكن الحلم نفسه لم يمت.
كل جيل يسلّمه للجيل الذي بعده كأن الفلسطينيين يورّثون أبناءهم الحنين قبل الأسماء.
وفي كل مرة يُظن أن القضية انتهت، يخرج طفل فلسطيني من بين الركام رافعًا علم بلاده، ليقول للعالم إن الشعوب قد تتعب لكنها لا تنسى وطنها.
فلسطين ليست خبرًا عاجلًا، ولا صورة حرب عابرة… فلسطين وجع أمة كاملة وذاكرة لا تموت.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة يبقى السؤال موجعًا:
كم يحتاج العالم من دموعٍ أخرى ليفهم أن هناك شعبًا ما زال يُقتلع من حياته كل يوم؟
ورغم كل شيء…
ما زال الفلسطيني حين يُسأل: “من أين أنت؟”
يرفع رأسه، ويقول بثباتٍ يشبه المعجزة:
“أنا من فلسطين”…
كأن الوطن، رغم كل هذا الوجع، ما زال يسكن صوته.