اخبار ع النار-تضع السيول الوميضية التي شهدها لواء الشونة الجنوبية أول من أمس الثلاثاء، وأدت إلى وفاة فتاتين وفقدان شخص آخر في حادثتين منفصلتين، ملف إدارة مياه الأمطار ومخاطر الأودية والبنية التحتية أمام تحديات متجددة، في ظل طبيعة جغرافية تجعل بعض المناطق عرضة لتدفقات مائية مفاجئة وسريعة. وتبرز الحاجة إلى حلول مستدامة تتجاوز الإجراءات الطارئة، وتشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، ومعالجة الاختلالات في تصريف المياه، والحد من البناء في المناطق الخطرة، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، إلى جانب رفع وعي السكان بمخاطر السيول.
وفيما تمكنت كوادر الدفاع المدني، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والجهات المختصة، من العثور على جثتي الفتاتين، ما تزال أعمال البحث جارية عن الشخص الثالث، وهو رب أسرة.
وبحسب مصدر أمني، فإن الفتاتين كانتا على طريق الصياغة، قرب البحر الميت، برفقة والدهما الذي نجا من الحادثة، إذ داهمت المياه الجارفة المركبة التي كانوا يستقلونها، ما أدى إلى انقلابها. وبيّن المصدر أن المياه جرفت الفتاتين باتجاه مجرى السيل، قبل العثور عليهما لاحقا على أطراف الوادي.
أما الشخص الثالث، فهو، وفق شهود عيان، من مربي الماشية، ويقيم مع عائلته في إحدى الخيام القريبة من أحد مجاري السيول التي تصب في البحر الميت بمنطقة سويمة. وقد داهمتهم مياه السيل وجرفت أفراد العائلة والمواشي. وأضاف الشهود أن الأهالي تمكنوا من انتشال أفراد الأسرة، فيما ما يزال البحث جاريا عن الأب المفقود.
وتأتي هذه الحوادث عقب تحذيرات متكررة من ضرورة الابتعاد عن مجاري السيول وتوخي الحذر مع بدء فصل الشتاء، خصوصا أن منطقة سويمة والبحر الميت تشهدان عادة أمطارا وسيولا وميضية تتسبب في تدفقات مائية مفاجئة وشديدة السرعة، تنحدر من المرتفعات الجبلية خلال وقت قصير.
وأكد المصدر الأمني أن الأجهزة المختصة تواصل عمليات البحث والتمشيط الحثيثة للعثور على الشخص المفقود في منطقة سويمة، مشيرا إلى أن الجهات المعنية، ممثلة بكوادر الدفاع المدني والأجهزة الأمنية وبلديتي الشونة الوسطى وسويمة، أعلنت حالة الاستنفار منذ اللحظات الأولى لاندلاع السيول. وعملت هذه الجهات على اتخاذ الإجراءات العاجلة لحماية السكان وتأمين ممتلكاتهم، والمساهمة في شفط المياه وفتح الطرق.
أضرار في بنية جسر الرامة
وبحسب متخصصين، تُعدّ السيول الوميضية من أخطر الظواهر الجوية في المنطقة، نظرا إلى طبيعة تضاريسها شديدة الانحدار، وعدم قدرة التربة الجافة أو شبكات التصريف على استيعاب كميات الأمطار الغزيرة والمفاجئة، ما يحوّل مجاري الأودية إلى ممرات جارفة تداهم الطرق والمنازل دون إنذار مسبق.
وأضاف المتخصصون أن السيول الجارفة تسببت، على مر السنوات، في حوادث مفجعة، أبرزها فاجعة البحر الميت عام 2018، التي أودت بحياة 21 شخصا، غالبيتهم من طلبة المدارس والمرافقين. كما تسببت في حوادث متعددة أدت إلى انهيار الجسور وإغلاق الطرق، فضلا عن الخسائر البشرية والمادية، ومنها تضرر البنية التحتية وتجريف المزارع المقامة ضمن حرم الأودية.
وكانت مياه الأمطار قد داهمت عددا من المنازل في مناطق الروضة والنهضة وسويمة، في حين ألحقت السيول الجارفة أضرارا ببنية جسر الرامة، ما تسبب في حدوث تصدعات كبيرة فيه، واستدعى إغلاقه بالكامل من قبل الأجهزة المختصة.
كما تسببت الأمطار الغزيرة في سقوط إحدى الأشجار الكبيرة على أسلاك الضغط المتوسط، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن عدد من المناطق لنحو أربع ساعات، قبل أن تتمكن كوادر شركة توزيع الكهرباء من إصلاح الأضرار وإعادة التيار إلى المناطق المتضررة.
ويقول المواطن منذر الحشوش إن المياه داهمت منزل عائلة الشخص الثالث خلال دقائق معدودة، إذ بدأت بالتدفق من تحت الأبواب، محوّلة الغرف إلى برك مائية. وأشار إلى أن الأولوية كانت لإنقاذ الأطفال والنساء، في حين ألحقت المياه أضرارا بالأثاث والممتلكات.
ويبيّن المواطن إبراهيم أبو هلال أن المشكلة الكبرى تتمثل في وقوع عدد كبير من المنازل بالقرب من مجاري السيول والأودية، ما يشكل خطرا على سكانها في كل موسم مطري. ولفت إلى أن مداهمة المياه للمنازل ليست أمرا جديدا، قائلا: “نعيش المعاناة نفسها كل عام، ما يتطلب إيجاد حلول جذرية لمنع تكرارها”.
وأضاف: “المطلوب العمل على توسعة الأودية وتنظيفها وإعادة تأهيل العبارات، لأن معظمها أنبوبي ولا يستوعب كميات المياه المتدفقة من الجبال”. ولفت إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في انسداد العبارات الصندوقية على طريق البحر الميت، نتيجة انجراف الأتربة والصخور والأشجار التي تتسبب في إغلاق مجاري السيول، ما قد يؤدي إلى أخطار تتجاوز الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية.
ويبيّن المواطن محمد العدوان، الذي يسكن بالقرب من جسر الرامة، أن السيول الجارفة تسببت في انجراف الرمال والصخور التي تحمي أساسات الجسر، ما أدى إلى زعزعتها وتصدع الطريق الرئيس الذي يربط الشونة الجنوبية بمناطق البحر الميت. وأوضح أن الجسر أُنشئ خلال أربعينيات القرن الماضي، ولم تُجرَ عليه أي أعمال توسعة أو تأهيل، باستثناء أعمال التعبيد وصيانة الخلطات الإسفلتية.
ويرى العدوان أن قرار إغلاق الطريق صائب، لأن استمرار حركة السير قد يؤدي إلى انزلاقات أو انهيارات كارثية لا تُحمد عقباها. وأعرب عن أمله في إعادة تأهيل الجسر بالكامل وإصلاح مواطن الخلل فيه بصورة عاجلة، نظرا إلى أن الطريق يُعدّ أحد الشرايين الحيوية للمنطقة.
وكانت وزارة الأشغال قد أقرت مشروعا لصيانة الطريق وتأهيله، يمتد من تقاطع الجوفة حتى طريق البحر الميت، بما في ذلك الجسور المقامة عليه، بانتظار توفير المخصصات المالية اللازمة للبدء في تنفيذه.
استمرار التحذيرات
من جهتها، حذرت الأجهزة الأمنية سكان المناطق القريبة من مجاري السيول من مخاطر الاقتراب منها، لا سيما أن المنطقة تشهد عادة أمطارا غزيرة وسيولا وميضية جارفة.
ودعا متصرف لواء الشونة الجنوبية، خلف القاضي، المواطنين وسكان المناطق القريبة من مجاري السيول والأودية إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، والابتعاد الفوري عن مجاري السيول والأودية وأماكن تجمع المياه. ونوّه إلى أن لجنة السلامة العامة تعمل منذ أكثر من شهر على ترحيل بعض الأسر المقيمة ضمن حرم مجاري السيول في منطقة سويمة، حفاظا على أرواح أفرادها وسلامتهم.
وأكد القاضي أنه سيجري التنسيق والعمل المباشر مع جميع الجهات المعنية لمعالجة مواطن الخلل الفنية والإدارية، معوّلا في الوقت ذاته على وعي المواطنين وتعاونهم والتزامهم بالتعليمات والإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة.
من جانبه، أوضح رئيس لجنة البلدية، المهندس عبد الحميد أبو رمان، أن غالبية المنازل التي داهمتها المياه أُقيمت أساسا ضمن حرم الأودية.
وأضاف أن البلدية نفذت حملات لتنظيف مجاري الأودية والسيول قبل عدة أشهر، إلا أن السلوكيات السلبية، المتمثلة في إلقاء بعض المواطنين النفايات ومخلفات البناء داخل الأودية، تسببت في انسداد العبارات وفيضان المياه.
وأشار أبو رمان إلى أن بعض العبارات القائمة صغيرة الحجم ولا تستوعب الكميات الهائلة من مياه الأمطار المتدفقة، مؤكدا أن البلدية تعمل حاليا على فتح مجاري الأودية وتوسعتها للحد من مخاطر السيول القادمة.
وبيّن أن مواجهة مشكلة مداهمة مياه الأمطار والسيول للمنازل في المناطق السكنية تتطلب حزمة من الحلول الجذرية والمتكاملة، بالتعاون بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي. وتشمل هذه الحلول منع البناء أو التوسع العمراني في المناطق المحاذية لمجاري السيول بصورة صارمة، وإزالة التعديات، وإيجاد بدائل سكنية آمنة للقاطنين ضمن حرم الأودية، وتطبيق قوانين السلامة العامة دون استثناء.
وأكد أبو رمان أنه سيجري العمل على إعادة هندسة العبارات الصندوقية والقنوات المائية وتوسعتها لاستيعاب التدفقات الاستثنائية للسيول الوميضية، واستبدال العبارات القديمة أو الضيقة بأخرى ذات طاقة استيعابية أكبر. ولفت إلى أن البلدية تنفذ عادة حملات لتنظيف مجاري السيول والأودية قبل حلول فصل الشتاء.
وشدد على أهمية تعزيز وعي المواطنين بمخاطر المجازفة أو الإقامة بالقرب من الأودية خلال الظروف الجوية السيئة، وتفعيل شبكات الإنذار المبكر لتنبيه الأهالي قبل وصول السيول الجارفة بوقت كافٍ. كما نوّه إلى أهمية فرض عقوبات رادعة على من يلقون نفايات البناء والأنقاض داخل الأودية، تجنبا لانسداد العبارات.
سيول الشونة الجنوبية.. خسائر في الأرواح والممتلكات وسط مطالب بحلول جذرية