اخبار ع النار-لا يضيف نمو التجارة الإلكترونية إلى حياة الأردنيين ملايين الطرود فحسب، بل يدفع إلى منظومة النفايات “تيارا جديدا من المخلفات قصيرة العمر”، فالمواد المستخدمة في حماية المنتج تؤدي وظيفتها خلال رحلة الشحن، لكنها تتحول بمجرد فتحه إلى “عبء” يمتد أثره من المنزل والحاوية إلى عمليات الجمع والطمر.
فهذه الطرود، التي وصل حجمها إلى مليوني طرد العام الماضي، تحمل معها كميات كبيرة من الكرتون والبلاستيك ومواد الحشو والأغلفة المركبة، وبعضها “يصعب فصله وتدويره”، والآخر “يستحوذ على مساحات واسعة” داخل الحاويات وكابسات النفايات والمكبات، فيما قد تتحول ممارسات التخلص “الخاطئ”، وخصوصا “الحرق”، إلى مصدر “لانبعاث مواد وغازات ضارة”.
وهذا الأثر، وفق خبراء، يمتد أيضا إلى العاملين الذين يتعاملون يوميا مع هذه الطرود والمخلفات، وإلى المنازل عند تكدس العبوات والأغلفة، أو تخزينها “بصورة غير سليمة”، بما قد يهيئ ظروفا لتراكم “الغبار والعفن وانتشار الحشرات والقوارض”.
قضية طارئة
وصف الخبير في الشأن البيئي د. محمد الخشاشنة ملف نفايات عبوات التجارة الإلكترونية بأنه من القضايا البيئية “الناشئة والطارئة” التي تستدعي اهتماما “محليا وعالميا”، ولا سيما مع النمو المتسارع في حجمها، وما ينتج عنها من كميات “متزايدة” من مواد التغليف والمخلفات.
وأوضح الخشاشنة أن هذه القضية يتناولها الإطار العالمي للمواد الكيميائية، الذي وضع النهج الإستراتيجي للإدارة الدولية للمواد الكيميائية (SAICM)، ما يتطلب طرحها ضمن النقاشات المرتبطة باتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود وإدارتها.
ولفت إلى أن الأردن يجب أن يكون من الدول السباقة في إثارة هذه القضية دوليا، خصوصا أن حجم التجارة الإلكترونية يشهد نموا “متسارعا” مقارنة بما كان عليه قبل خمس سنوات أو أكثر.
وأشار إلى أن أرقام وزارة الصناعة والتجارة تظهر “ارتفاعا متواصلا” في عدد طرود التجارة الإلكترونية، إذ بلغ عددها نحو مليون و700 ألف طرد خلال عام 2024، ليرتفع إلى نحو مليوني طرد العام الماضي.
وأضاف أن هذه الأرقام “مرشحة لمزيد من الارتفاع”، بنمو مقداره 9 % سنويا، يضاف إليه الحجم المتراكم منذ السنوات الماضية، في وقت تتراوح فيه القيمة المالية لحجم التجارة الإلكترونية بين 250 و350 مليون دولار سنويا.
ولفت إلى أن الأثر البيئي لهذه التجارة لا يرتبط بعدد الطرود وحده، بل يمتد إلى طبقات متعددة من مواد التغليف والحماية التي تستخدم لضمان وصول محتوياتها من دون “تلف”، في ضوء ما تتعرض له الشحنات من ظروف حركية وجوية ومناخية مختلفة.
وبيّن أن معظم الطرود قد تعتمد على نحو أربع طبقات من التغليف، تبدأ بالداخلية، وخصوصا للقطع الكهربائية، مع وضعها في أكياس مضادة للكهرباء الساكنة تفاديا “لتلفها”.
لكن المشكلة البيئية، بحسبه، تبدأ من طبيعة تركيبة هذه الأكياس، إذ تتكون من طبقات مدمجة من البلاستيك والمعادن، تشمل البولي إيثيلين والبوليسترين والألمنيوم، ما يجعل فصل مكوناتها عن بعضها وتدويرها “عملية صعبة”.
ولا تنتهي مواد التغليف عند هذه الطبقة، إذ تستخدم داخل الطرود أيضا مواد “للحشو والتثبيت” لمنع حركة المنتجات وحمايتها، مثل اللفائف البلاستيكية والحشوات الرغوية، التي يدخل البولي إيثيلين في صناعتها.
ويعد البولي إيثيلين، وفق قوله، من المواد ذات “الأصل البترولي”، إذ إن إنتاج كيلوغرام واحد منه يتسبب في انبعاث نحو 2.7 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون.
وحذر كذلك من سوء التعامل مع مخلفات البوليسترين، لا سيما عبر حرقها، أو تعريضها لحرارة شديدة، لكون ذلك يؤدي إلى إطلاق غاز “الستايرين”، الذي يصنف بأنه مادة “مسرطنة”.
ومن بين المواد المستخدمة كذلك في التغليف الكرتون المقوى، والذي رغم “خفة وزنه نسبيا”، فإنه يشغل “مساحة كبيرة” عند إلقائه مع النفايات المنزلية العادية، في وقت “لا يوجد فيه” نظام فصل لمخلفات التغليف الناتجة عن الطرود “بصورة مستقلة”، أو تطبيق لنظام مسؤولية المنتج الممتدة للتعامل معها.
وضرب مثالا على ذلك بالحاويات الموجودة أمام المنازل وفي الأحياء، إذ يمكن ملاحظة كميات من الكرتون تستحوذ على مساحة كبيرة داخلها، ما يقلل من قدرتها على “استيعاب” بقية المخلفات.
ولا تقتصر المشكلة، وفقه، على الحاوية نفسها، إذ ينتقل أثر الحجم الكبير لهذه المخلفات إلى عمليات الجمع والنقل، كونها تشغل حيزا داخل كابسات البلديات وأمانة عمّان الكبرى، بما يضيف أعباء مرتبطة بالتعامل معها ونقلها.
ويمتد العبء ذاته إلى مكبات النفايات، حيث تستحوذ مواد التغليف على مساحة من السعة المخصصة للطمر، فيما أن إنشاء خلية للتخلص من المخلفات من قبل أمانة عمّان قد تتجاوز تكلفته نحو 20 مليون دينار، وبسعة تتراوح بين 2.5 مليون وخمسة ملايين متر مكعب.
حلول مقترحة
ولفت الخشاشنة إلى أن بعض الدول تتعامل مع هذا النوع من النفايات من خلال فصل المواد القابلة لإعادة التدوير، وفي مقدمتها البلاستيك والكرتون، إذ إن مخلفات التغليف في الدول الغنية تُشكل ما يتراوح بين 17 % و20 % من حجم النفايات.
ولفت إلى أن جمع هذه المخلفات بصورة “منفصلة” عن بقية النفايات يمكن أن “يحسن فرص” التعامل معها، إلا أن ذلك لا “يحدث كثيرا”، ولا سيما أن الحديث هنا يتعلق بالتجارة الإلكترونية والطرود التي تصل مباشرة إلى السكان.
وقدم تقديرا أوليا لحجم هذه النفايات، وبافتراض أن كل طرد يحتوي على كيلوغرام واحد من مواد التغليف، فإن مليوني طرد ينتج عنها بالضرورة مليونا كيلوغرام من تلك المواد، أي قرابة ألفي طن من النفايات تضاف إلى الكميات الموجودة في الأردن.
وعلى مستوى الحلول، دعا الخشاشنة إلى الاستعاضة عن بعض مواد التغليف ببدائل “أكثر استدامة”، ومن بينها استبدال “الفوم بورق مقوى” مموج مصنوع من مواد معاد تدويرها، مثل ورق “الكرافت”، بحيث يستخدم لملء الفراغات داخل الطرود، وحماية المنتجات من الحركة والاهتزاز أثناء عملية الشحن.
ومن بين المقترحات التي أوردها كذلك تطبيق نظام مسؤولية المنتج الممتدة على شركات شحن الطرود، وإلزامها باستعادة مواد التغليف من السكان، وإرسالها إلى مركز تجميع ينشأ لهذه الغاية من البلديات وأمانة عمّان الكبرى.
آثار صحية
يواجه العاملون في جمع مخلفات التجارة الإلكترونية “مخاطر صحية متعددة ومباشرة”، لا سيما عند التعامل مع الأغلفة البلاستيكية، والأكياس الفقاعية، ومواد الحماية المصنوعة من البوليسترين المتمدد، وفق الأمين العام السابق لوزارة الصحة د. عبد الرحمن المعاني.
وتتنوع هذه المخاطر، وفقه، بين إصابات جسدية وأمراض تنفسية وجلدية ناتجة عن التعامل اليومي والكثيف مع هذه المواد، إلى جانب المخاطر التنفسية الناتجة عن الميكروبلاستيك والغازات، والمخاطر الجلدية والسمية الكيميائية، والمخاطر الجسدية والميكانيكية، والتعرض للتلوث الحيوي البيولوجي.
وحذر المعاني من أن تشكل بعض مواد التغليف والأحبار والمواد اللاصقة “مَصدرا حقيقيا للتعرض لمواد كيميائية” قد تنتقل إلى الإنسان، وتؤثر سلبا على صحته، خصوصا في الطرود المتعلقة بالغذاء أو المنتجات الاستهلاكية.
ولفت إلى أن المواد الكيميائية ستتراكم في الجسم مسببة “مضاعفات صحية”، حيث يرتبط التعرض المستمر لها وبنسب عالية بالإصابة باضطرابات الغدد الصماء، والتأثير في الجهاز العصبي، والتعرض لبعض “المخاطر السرطانية” على المدى الطويل.
لكنه أوضح أن الخطر الفعلي يبقى محكوما بنوع التغليف، الغذائي أو غير الغذائي، ومدد التخزين، ودرجة الحرارة.
ويمكن أن يتحول تراكم عبوات التجارة الإلكترونية، مثل الصناديق الكرتونية والأكياس البلاستيكية، إلى “مصدر للمخاطر الصحية والبيئية” داخل المنازل، أو عند التخلص منها بشكل “عشوائي”.
وقد تخلق، بحسبه، “بيئة مثالية” للحشرات والقوارض، ونمو العفن والفطريات، وتراكم الغبار وعث الغبار، وانتشار الملوثات الكيميائية والفيزيائية.
ودعا المعاني إلى اتباع نصائح الوقاية والتعامل الآمن مع عبوات الشحن، من خلال التخلص الفوري منها، وإعادة تدويرها بشكل صحيح، واتباع نهج التخزين الذكي.
وحذر من “حرق” النفايات البلاستيكية ومواد التغليف في “الهواء الطلق”، لكونه يتسبب في مخاطر صحية “جسيمة وقصيرة وطويلة المدى”، نتيجة انبعاث غازات ومواد كيميائية “شديدة السمية”.
تضافر جهود الحماية
وفي الأردن، نفى المعاني وجود “دراسات وبائية وطنية متخصصة ومباشرة” تربط بشكل سببي ومعزول بين تزايد نفايات التغليف بمفردها ومخاطر صحية محددة على السكان أو العاملين.
ولكن، من منظور الصحة العامة، فإن الحد من المخاطر الصحية المرتبطة بنفايات الاستخدام الواحد، أو ما يعرف بالمخلفات قصيرة الأجل الناتجة عن التغليف والشحن، يتطلب، بحسب دعوته، تضافر جهود الأفراد وشركات التجارة الإلكترونية والجهات الحكومية المسؤولة.
وحدد الأدوار والإجراءات المطلوبة لحماية المجتمع والبيئة من هذه المخاطر، بتقليل الطلبات المتفرقة، وإعادة الاستخدام المنزلي، والفصل الصحيح للنفايات من قبل الأفراد.
أما تلك المطلوبة من شركات التجارة الإلكترونية، فحددها بتبني التغليف المستدام والذكي، وإطلاق برامج استرداد التغليف، وتحفيز السلوك المستدام.
ودعا وزارتي الصحة والبيئة إلى سن التشريعات واللوائح اللازمة للتعامل مع هذه المخلفات، وتطوير البنية التحتية للتدوير، وتنفيذ الحملات التوعوية.
مليونا طرد سنوياً في الأردن .. التجارة الإلكترونية تخلّف عبئاً بيئياً وصحياً