بقلم: أ.د. نورس شطناوي
في الأردن، لا يدخل طالب التوجيهي إلى قاعة الامتحان وحده.
تدخل معه أمه بدعائها.
ويدخل أبوه بقلقه.
وتدخل العائلة كلها وهي تراقب الساعة، وتحسب الأيام، وتخفض صوت التلفاز، وتؤجل الزيارات، وتتعامل مع البيت كأنه مركز امتحانات رسمي.
حتى الجيران يعرفون أن في المنزل طالب توجيهي.
فيخففون أصواتهم.
وتتوقف المناسبات.
ويصبح فتح باب الغرفة مخاطرة تحتاج إلى استئذان مسبق.
أما الطالب، فيجلس وراء الكتب كأن مستقبله كله محصور بين سؤال اختيار من متعدد، وإجابة قد ينسى منها كلمة تحت ضغط الخوف.
في دول كثيرة، امتحان الثانوية مرحلة تعليمية مهمة.
أما عندنا، فقد تحول التوجيهي إلى موسم وطني كامل.
موسم يبدأ بالدروس الخصوصية، ويمر بالقلق العائلي، وينتهي إما بزغاريد تسمعها الحارة كلها، أو بصمت ثقيل لا يعرف أحد كيف يكسره.
لا أحد ينكر أهمية الامتحان.
ولا أحد يطلب إلغاء الجد والاجتهاد.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه:
لماذا نحمل طالباً في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة مسؤولية تقرير مستقبله كله خلال ساعات محدودة؟
ولماذا يبدو التوجيهي في الوعي الأردني أقرب إلى محكمة نهائية، لا إلى محطة تعليمية يمكن تجاوزها وتصحيح مسارها؟
المشكلة لم تعد في صعوبة الأسئلة وحدها.
بل في الهالة التي صنعناها حول الامتحان.
منذ الصفوف الأولى، يسمع الطالب العبارة نفسها:
استعد… التوجيهي هو الذي سيحدد مستقبلك.
يكبر الطفل، وتكبر معه الجملة.
حتى يصل إلى الامتحان وهو لا يرى ورقة أسئلة، بل يرى خلفها الجامعة، والتخصص، والوظيفة، ونظرات الأقارب، وفرحة والديه أو خيبة أملهما.
كيف نطلب منه أن يكون هادئاً بعد أن أقنعناه سنوات بأن حياته كلها تقف خلف باب القاعة؟
ثم جاء امتداد الامتحان على سنتين، بقصد توزيع العبء وتنظيم المسار، لكنه في حياة بعض الأسر بدا وكأنه توزيع للقلق، لا تخفيف له.
بدلاً من سنة ثقيلة…
أصبح لدينا عامان من الانتظار.
عامان من الدروس.
وعامان من المقارنات.
وعامان يعيش فيهما الطالب تحت المراقبة المستمرة:
كم درست؟
كم بقي عليك؟
ما معدلك المتوقع؟
وأين وصل أصحابك؟
الضغط الذي كان يتجمع في سنة واحدة، صار يمتد زمناً أطول.
وكأن العائلة كانت تركض في سباق طويل، ثم اكتشفت عند خط النهاية أن هناك دورة إضافية حول المضمار.
الطالب يتعب.
لكن الأهل أيضاً يتعبون.
الأم تصبح مسؤولة عن الحالة النفسية والغذاء والهدوء والدعاء.
والأب يتحول إلى وزارة مالية صغيرة، يحسب رسوم المدارس والدروس والمنصات والكتب والمواصلات.
وقد يستهلك بعض الأهالي طاقتهم ومدخراتهم، وهم يظنون أن أي تقصير مادي قد يحرم ابنهم من فرصة العمر.
ثم تأتي المقارنات لتكمل المهمة.
ابن فلان حصل على معدل مرتفع.
وابنة الجيران لم تكن تغادر غرفتها.
وقريبكم سجل في أربع منصات.
وفلان يدرس خمس عشرة ساعة يومياً، مع أن أحداً لا يعرف متى ينام.
فيتحول الطالب من إنسان يتعلم، إلى رقم ينتظر الجميع ظهوره.
والأخطر أن بعض الأسر، من شدة خوفها على أبنائها، تنقل إليهم خوفها كله.
تريد أن تشجعهم، فتضغط عليهم.
وتريد أن تطمئنهم، فتسألهم عن الامتحان كل نصف ساعة.
وتريد لهم النجاح، فتربط من دون قصد بين المحبة والنتيجة.
مع أن الطالب في تلك اللحظة لا يحتاج إلى محقق جديد.
يحتاج إلى بيت يقول له:
ابذل ما تستطيع، وسنبقى إلى جانبك مهما كانت النتيجة.
رهبة التوجيهي عندنا ليست تعليمية فقط.
إنها اجتماعية واقتصادية ونفسية.
لأن القبول الجامعي يرتبط بالمعدل بدرجة كبيرة.
ولأن المجتمع ما يزال يرتب التخصصات والطلاب على سُلّم ضيق من المكانة.
ولأننا أقنعنا أبناءنا أن هناك تخصصات للقمة، وأخرى لمن لم يحالفهم الحظ.
وكأن النجاح له باب واحد.
لهذا يخاف الطالب من النتيجة، لا لأنها تحدد مقعداً جامعياً فقط، بل لأنها قد تحدد الطريقة التي سينظر بها الناس إليه.
فكيف نعالج المشكلة؟
لا يكفي أن نغيّر مواعيد الامتحانات أو نوزع المواد على سنتين.
المشكلة أعمق من الجدول.
نحتاج أولاً إلى تقليل اعتماد مستقبل الطالب على امتحان واحد، وإعطاء وزن حقيقي لتقييمه المدرسي المتراكم، ومهاراته، وميوله، وقدراته، لا لذاكرته في صباح يوم محدد فقط.
ونحتاج إلى نظام قبول جامعي أكثر مرونة، لا يجعل أجزاء الدرجة العشرية تفصل بين حلم وآخر.
كما نحتاج إلى توجيه مهني حقيقي يبدأ قبل التوجيهي بسنوات، ليعرف الطالب ما يناسبه، لا ما يصفق له المجتمع.
نحتاج أيضاً إلى إعادة الاعتبار للتعليم التقني والمهني.
فالدولة التي تملك آلاف الشهادات، ولا تملك ما يكفي من المهارات، لا تكون قد حلت المشكلة، بل أجلتها من باب المدرسة إلى طابور البطالة.
ويجب أن تدخل الصحة النفسية إلى المدرسة بوصفها حاجة، لا ترفاً.
مرشدون مؤهلون.
جلسات للأهل.
تدريب للطلبة على إدارة القلق.
ورسالة واضحة تقول إن التعثر في امتحان لا يعني التعثر في الحياة.
أما الإعلام، فعليه أن يتوقف عن تحويل النتائج إلى مهرجان للأوائل فقط.
من الجميل أن نحتفي بالتفوق.
لكن خلف كل اسم متفوق، آلاف الطلاب الذين اجتهدوا ولم تصل أسماؤهم إلى الشاشة.
هؤلاء أيضاً يستحقون الاحترام.
ولا يجوز أن يشعر الطالب الذي حصل على معدل متوسط أنه أصبح مواطناً من الدرجة الثانية.
التوجيهي يجب أن يعود إلى حجمه الطبيعي.
امتحان مهم…
لكنه ليس قيامة تعليمية.
مرحلة…
وليست حكماً نهائياً.
وطريق…
وليس الطريق الوحيد.
نريد طالباً يذهب إلى الامتحان وهو يفكر في الإجابة، لا في نظرات الناس بعد النتيجة.
ونريد أهلاً يساندون أبناءهم، لا أن يخوضوا معهم عامين كاملين من الطوارئ المنزلية.
ونريد نظاماً تعليمياً يقول للطالب:
مستقبلك لا يُختصر في ورقة.
وقيمتك لا يحددها رقم.
وإن أخطأت في طريق، فهناك دائماً طريق آخر تستطيع أن تبدأ منه.
لأن الحياة، لحسن الحظ، لا تصدر نتائجها في كشف واحد…
ولا تنتهي فرصها عند التوجيهي.