روسيا تواجه أزمة وقود مع استمرار الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط

اخبار ع النار-دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من الاستنزاف، بعدما تحوّلت منشآت الطاقة الروسية إلى هدف رئيسي للهجمات الأوكرانية بعيدة المدى؛ ما أدى إلى أزمة وقود غير مسبوقة داخل روسيا، وألقى بظلاله على المشهدين الاقتصادي والسياسي، في وقت يستعد فيه الكرملين لانتخابات برلمانية حساسة.
فبعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب، لم تعد تداعياتها تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت إلى الحياة اليومية للمواطنين الروس، حيث أصبحت طوابير السيارات أمام محطات الوقود، ونقص البنزين، وتقنين عمليات التزود بالوقود، مشاهد مألوفة في مدن كانت بعيدة عن خطوط المواجهة.
ويحذّر خبراء من أن الأزمة تمثل أحد أكبر التحديات الداخلية التي تواجه الرئيس فلاديمير بوتين منذ بدء الحرب، بعدما نجحت أوكرانيا في استهداف أحد أهم مفاصل الاقتصاد الروسي.

هجمات نوعية تضرب قلب صناعة التكرير
شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا في قدرات أوكرانيا الهجومية، مع استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ بعيدة المدى نجحت في الوصول إلى منشآت نفطية تقع على بعد آلاف الكيلومترات من الحدود.
وكان الهجوم الذي استهدف مصفاة موسكو الرئيسية في الثامن عشر من يونيو نقطة تحول بارزة، بعدما تمكنت الطائرات المسيّرة من اختراق طبقات الدفاع الجوي الروسية وضرب إحدى أهم منشآت التكرير في البلاد.
ولم تقتصر الضربات على العاصمة، بل امتدت إلى مصافٍ في سيبيريا ومناطق أخرى؛ ما أدى إلى تعطيل جزء كبير من قدرات التكرير الروسية.
وتشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن نحو 28% من طاقة التكرير في روسيا كانت متوقفة عن العمل بحلول العشرين من يونيو، وهو مستوى غير مسبوق منذ عقود.
ويرى محللون أن المشكلة لم تعد مرتبطة بصعوبات النقل أو اختلالات السوق، بل أصبحت تعكس نقصًا فعليًّا في الإنتاج، نتيجة العجز عن إصلاح الأضرار بالسرعة الكافية، في ظل العقوبات الغربية التي تحد من وصول روسيا إلى المعدات والتقنيات اللازمة لصيانة المصافي.

من أكبر المصدّرين إلى البحث عن الاستيراد
أجبرت الأزمة موسكو على اتخاذ خطوات كانت تبدو مستبعدة قبل سنوات، بعدما أعلنت السلطات أنها تبحث لأول مرة منذ عقود إمكانية استيراد الوقود من الخارج لتغطية العجز المحلي.
وتجري روسيا، بحسب الكرملين، مشاورات مع عدد من الدول لتأمين الإمدادات، فيما تشير تقديرات إلى أن الهند قد تكون من بين الخيارات القادرة على تلبية جزء من الطلب الروسي.
ويعكس هذا التحوّل مفارقة لافتة، إذ تتحول دولة كانت تُعد من أكبر مصدري المنتجات النفطية في العالم إلى البحث عن واردات لسد احتياجاتها الداخلية، في وقت تواصل فيه الحرب استنزاف مواردها المالية.
وفي المقابل، فرضت موسكو حظرًا على صادرات البنزين ووقود الطائرات، بينما يدرس الكرملين توسيع القيود لتشمل صادرات الديزل، في محاولة للحفاظ على الإمدادات المحلية.

أزمة تمتد من موسكو إلى سيبيريا
انعكس تراجع الإمدادات سريعًا على الأسواق المحلية، حيث أغلقت محطات وقود عديدة أبوابها، بينما شهدت المحطات التي لا تزال تعمل طوابير امتدت لساعات، ووصلت في بعض المناطق إلى يومين كاملين.
وفي أقاليم سيبيريا وشمال القوقاز، اضطرت السلطات إلى توفير مراحيض متنقلة للمواطنين المنتظرين في طوابير الوقود، فيما فرضت قيودًا على الكميات المسموح بشرائها، ومنعت تعبئة العبوات الاحتياطية في كثير من المناطق.
كما بدأت بعض الحكومات المحلية تطبيق إجراءات استثنائية، شملت قصر بيع الوقود على المركبات المسجلة داخل الإقليم، أو تحديد عدد مرات التزود الأسبوعية، في حين اندلعت مشاجرات في بعض المحطات بين السكان المحليين وسائقي السيارات القادمين من مناطق مجاورة تعاني نقصًا أكبر.

بوتين يواجه اختبارًا سياسيًّا
يرى مراقبون أن أزمة الوقود تمثل تحديًا سياسيًّا للرئيس الروسي، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر، والتي تحرص السلطات على إجرائها في أجواء مستقرة رغم محدودية المنافسة السياسية.
وللمرة الأولى، اضطر بوتين إلى الاعتراف علنًا بحجم الأزمة، بعدما كانت السلطات تحمل المضاربين أو عمليات الشراء المفرط مسؤولية النقص.
وأقر الرئيس الروسي بوجود طوابير طويلة أمام محطات الوقود وصعوبات تواجه المواطنين والقطاع الزراعي، في اعتراف اعتبره محللون مؤشرًا على أن الأزمة تجاوزت قدرة المسؤولين المحليين على احتوائها.
ويشير خبراء إلى أن تدخل بوتين شخصيًّا في الملف يعكس إدراك الكرملين لحساسية القضية، خاصة أن نقص الوقود يمس الحياة اليومية للمواطنين بصورة مباشرة، وقد يؤثر في المزاج العام خلال الموسم الانتخابي.
في محاولة لتخفيف حدة الأزمة، اتخذت السلطات الروسية سلسلة من الإجراءات الاستثنائية، من بينها السماح ببيع أنواع أقل جودة من الوقود، ودراسة إعادة إنتاج بنزين “يورو 2″، الذي كان محظورًا منذ أكثر من عقد بسبب تأثيره السلبي في المحركات الحديثة والانبعاثات البيئية.

كما شددت الحكومة الرقابة على الأسواق، وقلصت نشر البيانات المتعلقة بأسعار الوقود، وأطلقت حملات ضد المضاربين، في وقت بدأت فيه السوق السوداء بالازدهار، خصوصًا في المناطق الأكثر تضررًا.
وتشير تقارير إلى أن أسعار البنزين في السوق غير الرسمية داخل شبه جزيرة القرم تجاوزت ستة أضعاف الأسعار الرسمية، بينما ظهر سماسرة يبيعون أماكن في طوابير محطات الوقود مقابل مئات الدولارات في بعض المدن السيبيرية.

إستراتيجية أوكرانية تؤتي ثمارها
يرى خبراء أن الأزمة الحالية تعكس نجاحًا متزايدًا للإستراتيجية الأوكرانية القائمة على استهداف البنية التحتية للطاقة الروسية، بعدما انتقلت الهجمات من إحداث أضرار موضعية إلى التأثير في القدرة الإنتاجية على مستوى البلاد.
ففي العام الماضي، تمكنت موسكو من إصلاح المصافي المتضررة بسرعة نسبية، لكن كثافة الهجمات خلال الأشهر الأخيرة تجاوزت قدرات الصيانة، في ظل استمرار العقوبات الغربية التي تعرقل استيراد المعدات والتقنيات اللازمة.
وتعتقد كييف أن هذا النوع من العمليات يفرض تكلفة اقتصادية وسياسية متزايدة على موسكو، من خلال نقل آثار الحرب إلى الداخل الروسي وإضعاف قدرة الاقتصاد على دعم المجهود العسكري.

حرب الاستنزاف تدخل مرحلة جديدة
تكشف أزمة الوقود أن الحرب لم تعد تُقاس فقط بحجم المكاسب الميدانية أو السيطرة على الأراضي، بل باتت تعتمد بصورة متزايدة على القدرة على استنزاف الاقتصاد والبنية التحتية للطرف الآخر.
وبينما تواصل روسيا الرهان على تفوقها العسكري في الجبهة، تبدو أوكرانيا مصممة على توسيع حربها الاقتصادية، مستهدفة القطاعات الأكثر حساسية بالنسبة للدولة الروسية.
وفي ظل استمرار الهجمات على منشآت الطاقة، وتعاظم الضغوط على الاقتصاد، يجد الكرملين نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فالحفاظ على زخم العمليات العسكرية أصبح مرتبطًا بقدرته على احتواء تداعيات الحرب داخل الجبهة الداخلية، حيث تتحول أزمة الوقود تدريجيًّا من تحدٍ اقتصادي إلى اختبار سياسي قد تكون انعكاساته أوسع من مجرد نقص في الإمدادات.

Read Previous

طهبوب تسائل الحكومة عن أوضاع كبار السن في الأردن

Read Next

رئيسة فنزويلا تصف إنقاذ الفريق الأردني لطفل فنزويلي بـ”المعجزة”

Most Popular