بقلم: د. محمد نايف شطناوي
في الساعات الأولى من صباح اليوم الأربعاء، لم يكن الأردن أمام مباراة كرة قدم عادية، كان الوطن كله مستيقظاً على موعد مع التاريخ؛ في البيوت والمقاهي والساحات العامة، وفي المدرج الروماني الذي امتلأ بعشاق المنتخب الوطني، بدا وكأن الأردنيين جميعاً يجلسون في المكان نفسه، يتابعون الحلم ذاته، ويرفعون العلم نفسه.
كانت لحظة استثنائية لا تشبه غيرها، لحظة ظهر فيها الأردن موحداً كما نحب أن نراه دائماً، وعندما سكنت كرة علي علوان الشباك في الدقيقة الخمسين، دوّى الفرح في أنحاء المملكة، ليس لأنه هدف في مباراة فحسب، بل لأنه أول هدف أردني في تاريخ كأس العالم.
صحيح أن منتخبنا الوطني خسر أمام النمسا بثلاثة أهداف مقابل هدف، لكن الحقيقة الأهم أن النشامى لم يخسروا محبة الأردنيين، ولم يخسروا ثقتهم، ولم يخسروا المكانة التي صنعوها في وجدان هذا الشعب خلال رحلة تاريخية ستبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية لسنوات طويلة.
في عالم يمتلئ بالأزمات والانقسامات والاستقطابات، تصبح اللحظات التي تجمع الناس حول فرحة واحدة نادرة وثمينة، وهذا بالضبط ما فعله النشامى،لقد منحوا الأردنيين مساحة مشتركة للفرح والفخر والأمل، وأعادوا التذكير بأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا.
لقد نجح المنتخب فيما هو أبعد من كرة القدم، نجح في تحويل حلم رياضي إلى قصة وطنية جامعة، شاهدنا الأطفال وهم يرتدون القمصان الأردنية بفخر، والعائلات وهي تستيقظ قبل الفجر لمتابعة المباراة، والأعلام ترفرف على الشرفات والسيارات، كانت تلك لحظة شعور جماعي نادرة، شعر فيها الأردنيون بأنهم فريق واحد يشجع هدفاً واحداً.
الخسارة أمام منتخب قوي لا تمحو هذا الإنجاز، ولا تقلل من قيمته، فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بنتيجة مباراة واحدة، بل بقدرتها على التطور والاستمرار وصناعة الأمل، وما حققه النشامى خلال السنوات الأخيرة أثبت أن الأردن قادر على المنافسة والوصول إلى أكبر المحافل الرياضية العالمية، وأن الحلم الذي بدا بعيداً يوماً ما أصبح حقيقة يراها العالم بأسره.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج النشامى إلى الدعم لا إلى الأحكام المتسرعة، يحتاجون أن يسمعوا من الأردنيين كلمة بسيطة وصادقة: شكراً. شكراً لأنكم جعلتمونا نحلم، شكراً لأنكم حملتم اسم الأردن إلى كأس العالم،شكراً لأنكم منحتمونا لحظات من الفرح الخالص في زمن تزداد فيه الأخبار الثقيلة وتقل فيه المناسبات التي تجمع الناس على قلب واحد.
إلى النشامى نقول: الأردن كله معكم، كما كنا معكم في لحظات التأهل والانتصار، سنبقى معكم في لحظات التحدي والتعلم والنهوض من جديد، فهذه ليست نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد منها.
ربما خسر النشامى مباراة في كأس العالم، لكنهم ربحوا شيئاً أكبر بكثير؛ ربحوا محبة شعب بأكمله، وأثبتوا أن الأردن حين يحلم، يحلم معاً.
شكراً يا نشامى… لقد فرّحتمونا وجمعتمونا، وهذا انتصار لا تصنعه النتائج وحدها.