كَمَا هُوَ فِي دُوَلٌ الْعَالِم

عاهد حسين الصفدي 

  كَانَ حُلْماً مِنْ أَجْمَلِ الْأَحْلَام الَّتِي رأيتُها طِيلَة سِنِين عُمْرِي السَّبْعَة وَالْخَمْسِين، وَلَا أَجِد نَفْسِي مُضْطَرًّا لِلْبَحْث عَنْ ما يَعْنيهِ فِي كُتُبِ تَفْسِيرٍ الْأَحْلَام، أَوْ حَتَّى السُّؤَالُ عَنْهُ عِنْدَ أَيِّ شَخْصٍ يُفْهَمُها.

    كُنْت أَسِيرُ عَلَى رَصِيفٍ تَتَوَفَّر فِيهِ كُلُّ المواصفاتِ الرَّائِعَة، خَالِيًا مِنْ الْحَفْرِ وَالْأَشْجَارِ الْكَثِيفَة، والبسطاتِ وحاوياتِ النفاياتِ وَالسَّيَّارَات، وَكُلُّ مَا يُعيقُ الْحَرَكَة، وَكُنْتُ اتَّبَعُ الْإِشَارَاتِ الْإِرْشَادِيَّةِ الَّتِي تُوضِحُ مَعَالِمَ الرَّصِيفِ الْمُلَوَّنَةِ بِأَلْوانٍ وَاضِحَةٌ، وتُرشِدُني إلَى طَرِيقِي عِنْدَ كُلِّ تَقَاطُع، وَكَم كُنْتُ فَرَحًا عِنْدَمَا أَرَدْتُ الْعُبُورَ لِلْجِهَةِ الْمُقَابَلَة، فَجْأَةً وَعِنْد مَمَرّ الْمُشَاة الْمُخَطَّطِ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ، وَإِذَا بِكُلّ السَّيَّارَاتِ تَتَوَقَّفُ والسائقونَ يَنْظُرُونَ والابتسامةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَكَأَنَّهُم يَقُولُونَ لِي تَفَضَّلْ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، كَمْ هُوَ جَمِيلٌ ورائع أَنْ تَعْرِفَ قيمتَكَ عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَبَعْدَ أَنْ عَبَّرتُ إلى الحانبِ الآخرَ اِبتسَمَت لَهُم تَعْبِيرا مِنِّي عَنْ مَدَى امتناني لنظرتهم الْإِنْسَانِيَّة لِي. ثُمَّ وَقَفْتُ تَحتَ مُظِلّةِ مَحَطَّةِ الباصِ فوجدتُ فِيهَا لَوْحَةً إرْشَادِيَّةً مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا أَرْقَامُ ومواعيدُ الباصاتِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عِنْدَهَا، وَصَعًدتُ إلَى الباصِ الَّذِي جَاءَ بِمَوْعِدِه، وَكَم كانَتِ الرِّحْلَةُ مُرِيحَة، لَمْ يَقَعْ الباصُ فِي أَيِّ حُفرَةٍ، وَلَمْ يُوجَدْ أَيْ مَطَب، وَلَم تُزَاحِمُه آيَة سَيَّارات فِي المسربِ الْمُخَصِّصِ لَه، وَالْأَجْمَل عِنْدَمَا كَانَت السَّمَّاعَةُ الإِلِكْتِرُونِيَّةُ تَعْمَلُ تِلْقائِيّا لتُخبِرَ الرُّكابَ عَنْ اسْمِ كُلِّ مَحَطَّةٍ سيتوقفُ عِنْدَهَا.

 

    انْتَهَت رِحلَتَي وَحَمِدْتَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى هَذِهِ الرِّحْلَة الْأَمَنَة والمريحة والمُمتِعَةِ، الَّتِي شَعَرْتُ خِلَالِهَا بِقِيمَتِي كَإِنْسَانٍ لَه احْتِرَامٌ وَتَقْدِير، وَبَانَ كُلُّ الْجِهَاتِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ الْمَسْؤُولَة عَمِلْت وَتَعْمَلُ عَلَى تَوْفِيرِ كُلّ الْخِدْمَات وَوَسَائِل الرَّاحَة وَالْأَمَانِ وَالسَّلَامَة لَه وَلِلْآخَرِين.

 

    بَعْدَ أن استيقظتُ مِنْ نومي عَلَى صَوْتِ زَقْزَقَةِ العَصَافِيرِ الَّتِي تَطْرَبُ الْأَذَانُ لشدوهِا الشّجِي، وَأَنَا فِي حَالَةِ فَرَحٍ وَسُرُورٍ، وَمِنْ شِدَّةِ سعادتي شْعَرتُ بِأَنَّنِي لَنْ أَسْتَطيعَ وَصْفُ هذه الْبَهْجَةَ الّتِي تَمْلَأً قَلْبِي، خَرَجتُ لِكَي اذْهَبْ إلَى السُّوقِ لِشِرَاء بَعْضِ الْأَشْيَاءِ والحاجياتِ، وَكَانَت الصَّدْمَةُ مِنْ الْوَاقِع!!!.

فَكَم أَتَمَنَّى أَنْ تَتَحَقَّقَ أَحْلَامَنَا كَمَا حَقَّقَهَا المسؤولونَ لمواطنيهم كما هوَ فِي بَاقِي دُوَلٌ العَالم.