اخبار ع النار-بينما تكشف الأرقام الرسمية تحسنا ملحوظا في حجم السلع والمساعدات التي تدخل إلى قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة، لا يبدو أثره بالقدر نفسه في حياة سكان القطاع واقتصاده، فما يصل لم يُعد للسوق الغزية توازنه، ولا للسكان قدرتهم على الشراء والعمل، ولا أطلق دورة إنتاج قادرة على تلبية احتياجاتهم.
وينحصر ما يدخل بين مساعدات إغاثية لا تكفي جميع المحتاجين، وسلع تجارية يغلب عليها الطابع الاستهلاكي، تصل إلى سوق يفقد فيها كثير من السكان قدرتهم على الشراء، بينما تظل المواد الخام ومولدات الطاقة وقطع الغيار والمعدات اللازمة للإنتاج محدودة.
وتتجاوز المسألة حجم ما يدخل إلى طبيعة ما يُسمح بدخوله وما يُمنع أو يتأخر؛ إذ تتحكم إسرائيل في حركة السلع، بما يترك أثرا لا على وفرة المعروض وأسعاره فحسب، وإنما على قدرة الاقتصاد نفسه على استعادة أدوات الإنتاج.
تعقيدات تحمل أسئلة تتجاوز معرفة عدد الشاحنات للحكم على السوق، إلى السؤال عما تحمله وما يُمنع منها ولمن تصل وبأي كلفة، وهل يكفي ما يدخل لإبقاء الناس على قيد الحياة والاستهلاك، أم يتيح لهم استعادة قدرتهم على العمل والإنتاج وتوليد الدخل؟
تكشف وزارة التنمية الاجتماعية في غزة أن ما يدخل من مساعدات لا يتجاوز 15% من الاحتياج، في حين تقول إن أكثر من 95% من السكان يعتمدون على المساعدات بصورة كاملة، وأكثر من 90% فقدوا قدرتهم على الشراء.
كما تفيد معطيات الوزارة -على لسان المتحدثة باسمها عزيزة الكحلوت- بأن قاعدة بياناتها تضم نحو 513 ألف أسرة محتاجة للمساعدة، بينما تشمل الأولويات الحالية الغذاء والمياه الصالحة للشرب والنقد والمأوى والأدوية والمستلزمات الطبية والوقود ومواد النظافة والحماية والدعم النفسي والاجتماعي.
وتفسر المتحدثة المشكلة في 3 مستويات متداخلة ( نقص كمية المساعدات واستمراريتها، صعوبة إيصالها إلى المستفيدين بعد دخولها بسبب نقص الوقود ووسائل النقل وتضرر البنية التحتية، عدم كفاية تنوعها لمواكبة الاحتياجات المتغيرة).
نسبة التضخم 200%
وإذا كانت المساعدات مرتبطة أساسا بقدرة الأسر على الحصول على احتياجاتها الأساسية، فإن السلع التجارية ترتبط بقدرة المواطنين على شرائها، فوجودها في السوق لا يعني أن تكون في متناول المستهلك.
وتظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن التضخم في غزة لا يزال عند نحو 200% فوق مستويات ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما بلغ 206% في نهاية أغسطس/آب.
ويصف الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب الوضع بأنه أزمة مزدوجة تنحصر في سلع تصل إلى السوق بكلفة مرتفعة، في مقابل قدرة شرائية منهارة. ويبين أن ارتفاع الأسعار لا يأتي فقط من ندرة السلعة، وإنما أيضا من تكاليف النقل والتخزين والطاقة والمخاطر، وهي تكاليف تنتقل في النهاية إلى المستهلك.
وبذلك فإن تحسن دخول السلع لا يُقاس بوجودها على رفوف المتاجر، بل بقدرة الأسر على الوصول إليها وشرائها.
خمس الاحتياجات
وتكشف معطيات غرفة تجارة غزة أن متوسط ما يدخل فعليا لا يتجاوز نحو 200 شاحنة تجارية، مقابل حد أدنى متفق عليه يبلغ نحو 600 يوميا، بينما يقدّر الاحتياج الفعلي بنحو 1000 شاحنة يوميا لتحقيق استقرار مقبول في السوق ودعم التعافي الاقتصادي.
والأهم من العدد، وفق تصريح مدير العلاقات العامة والإعلام في الغرفة التجارية خليل عطالله هو تركيبة هذه الشاحنات؛ إذ يقدر أن نحو 95% من السلع المسموح بدخولها ذات طابع استهلاكي، مقابل نحو 5% فقط مرتبطة بالإنتاج.
ووفق بيانات أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ففي أغسطس/آب الماضي، دخل إلى القطاع الخاص في غزة 3627 شاحنة تجارية، بزيادة 116 شاحنة عن يوليو/تموز الماضي.
ويلفت عطا الله إلى أن أبرز النواقص الحالية تشمل الوقود والزيوت، وقطع غيار المركبات والآلات، ومستلزمات الطاقة، ومعدات تحلية المياه، والمدخلات الزراعية والصناعية، والمعدات التشغيلية.
قوائم الرفض
ولا تتوقف الفجوة عند حجم الواردات أو قدرة الناس على شرائها، إذ تظل قائمة المواد التي يسمح بدخولها وتلك التي تصنفها السلطات الإسرائيلية على أنها “مزدوجة الاستخدام” عاملا مؤثرا في حجم الإمدادات وطبيعتها.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن إدخال المواد التي تصنفها السلطات الإسرائيلية “ذات استخدام مزدوج” لا يزال محدودا للغاية، وتخضع لإجراءات موافقة أطول تنتهي في كثير من الحالات بالرفض.
وتتسع قائمة المواد التي يمكن أن تتأثر بهذه القيود لتشمل، وفق الأمم المتحدة، الخيام والشوادر والأخشاب والحبال والأشرطة والأدوات وأدوات الطهي وأنظمة الطاقة الشمسية، وهو ما يحد من القدرة على توسيع الاستجابة للمأوى والاستعداد لفصل الشتاء.