اخبار ع النار-لن يكون متاحا للسياح الاستمتاع بالتجوال في شوارع كبرى المدن الأوروبية في عطلة نهاية الأسبوع، فتزايد الإقبال في صفوف الطلاب والعمال والمتقاعدين على المسيرات الاحتجاجية ضد السياسات الحكومية وارتفاع كلفة المعيشة وتضرر قطاعات حيوية مثل التعليم والسكن، أصبح ينذر بخريف مضطرب أشبه بحركة “الثورات المخملية”.
ومن باريس القلب النابض لغرب أوروبا، إلى برلين ولشبونة وصولا إلى مدن الشرق الأوروبي، يسعى المحتجون عبر المسيرات المتزامنة إلى إسماع صوتهم وإظهار التضامن الشعبي إزاء تقاعس السياسيين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وتشهد عدة دول أوروبية موجة احتجاجات عارمة على ارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاقم أزمة السكن، وزيادة الرسوم الجامعية.
في فرنسا، شهدت باريس ومدن أخرى عدة احتجاجات واسعة يقودها كل من طلاب المدارس وحركة السترات الصفراء ونشطاء بيئيين، ضد غلاء المعيشة، وسط تقديرات بمشاركة 800 ألف شخص، ومواجهات مع الأمن الذي استخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.
وفي ألبانيا، دخلت الاحتجاجات في العاصمة تيرانا وعدة مدن أخرى يومها الخامس، وسط اشتباكات عنيفة، حيث خرج آلاف الطلاب والمواطنين للتعبير عن غضبهم المتصاعد ضد الأوضاع المعيشية والتعليمية المتدهورة، مطالبين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
أما في البرتغال، فقد تظاهر عشرات الآلاف في العاصمة لشبونة بدعوة من اتحاد نقابات العمال الرئيسي، احتجاجا على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن.
وفي بلجيكا، تظاهر المئات في بروكسل ولييج بالتزامن مع الاحتجاجات الفرنسية، وسط حوادث تخريب ومواجهات مع الشرطة، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.
وفي إيطاليا، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع خلال اشتباكات مع متظاهرين في ميلانو وبولونيا، في أعقاب احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتأتي هذه الاحتجاجات في الوقت الذي يؤجج فيه الوضع المتداعي للتعليم والرعاية الاجتماعية وترنح الأجور مقابل الارتفاع الكبير للإيجار وضغوط كلفة المعيشة، غضب قطاعات واسعة من الشباب والعائلات ذات الدخل المتوسط والمحدود والمتقاعدين.
وقالت الخبيرة الاقتصادية والأستاذة في جامعة لويس في روما فيرونيكا دي رومانيس إن “مزيجا من العوامل المرتبطة بالخوف من المستقبل، الذي تغذيه الأوضاع الجيوسياسية والعوامل الاقتصادية، يدفع بعض الإيطاليين إلى الاحتجاج”.
لكن زخم الاحتجاجات ليس وليد اليوم، إذ لا يمكن عزلها عن حركات شبابية بدأت تعلن عن نفسها منذ عام 2025 تحت راية “جيل زد”، في مسيرات ضد فساد النخب والتفاوتات الاجتماعية والسياسات الغربية إزاء حروب الشرق الأوسط، في غزة ولبنان تحديدا.
ورغم أن المتظاهرين في مختلف المدن يخوضون اليوم معارك مختلفة من حيث الدوافع والمطالب، فإنها تشترك في تقدير الملاحظين، في نقطة واحدة وهي الاحتجاج على أولويات الحكومات في الميزانيات.
ويقول رودولف ديسبورد، أستاذ الاقتصاد في كلية “سكِيما” للأعمال، لقناة “فرانس 24” الإخبارية الفرنسية “بطريقة ما، تجسد فرنسا اليوم ما تعاني منه القارة الأوروبية من اختلالات” يشمل ذلك الإنفاق وتدني الخدمات العامة وارتفاع في مستويات الدين.
ويذهب رودولف ديسبورد في تحليله قائلا: “هناك أرضية مشتركة للمطالب، إلى جانب ظاهرة ‘العدوى’ التي عززتها شبكات التواصل الاجتماعي. فهذه الحركات تستمد نوعا من الشجاعة والأمل مما يحدث في أماكن أخرى. وهذه ليست ظاهرة جديدة، فقد شهدنا أمثلة عديدة في الماضي، كما حدث إبان موجة الربيع العربي”.
وقد يكون من السابق لأوانه الحديث عن ملامح “ربيع أوروبي”، مع ذلك يثير الخبراء الأوروبيون مخاوف من أن تتحول المطالب الاجتماعية والقطاعية، إلى “مقاومة شعبية” متأصلة تغذيها موجة التضامن الأوروبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو نموذج رافق تحرك “السترات الصفراء” لأسابيع طويلة قبل أعوام في فرنسا.